سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٠١ - الباب الثامن و العشرون في بلوغ هذا الخطب الجسيم إلى الصديق الكريم و ثبوته في هذا الأمر
عنه- فو اللّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعقرت و أنا قائم حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي، و عرفت حين تلاها أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قد مات. زاد أبو الربيع فلما فرغ من خطبته التفت إلى عمر بن الخطّاب- رضي اللّه تعالى عنه- فقال: يا عمر أنت الذي تقول على باب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-: و الذي نفسي بيده ما مات رسول اللّه، أ ما علمت أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قال يوم كذا و كذا، أو قال يوم كذا كذا و كذا، و قال اللّه تعالى في كتابه إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر ٣٠] فقال عمر: لكأني و الله لم أسمع بها في كتاب اللّه تعالى قبل ذلك لما نزل بنا، أشهد أن الكتاب كما نزّل، و أن الحديث كما حدّث، و أن اللّه تعالى حيّ لا يموت- صلوات اللّه و سلامه على رسوله- و عند اللّه تحتسب رسوله و قال عمر بن الخطاب- رضي اللّه تعالى عنه- فيما كان منه يومئذ:
لعمري لقد أيقنت أنّك ميّت* * * و لكنّما أبدي الّذي قلته الجزع
و قلت يغيب الوحي عنّا لفقده* * * كما غاب موسى ثمّ يرجع كما رجع
و كان هواي أن تطول حياته* * * و ليس لحيّ في بكا ميّت طمع
فلمّا كشفنا البرد عن حرّ وجهه* * * إذا الأمر بالجزع المرعب قد وقع
فلم يك لي عند المصيبة حيلة* * * أردّ بها أهل الشّماتة و القزع
سوى إذن اللّه في كتابه* * * و ما أذن اللّه العباد به يقع
و قد قلت من بعد المقالة قولة* * * لها في حلوق الشّامتين به بشع
أ لا إنّما كان النّبيّ محمّد* * * إلى أجل وافى به الموت فانقطع
ندين على العلّات منّا بدينه* * * و نعطي الّذي أعطى و نمنع ما منع
و ولّيت محزونا بعين سخينة* * * أكفكف دمعي و الفؤاد قد انصدع
و قلت لعيني كلّ دمع دخرته* * * فجودي به إنّ الشّجيّ له دفع
و روى ابن إسحاق عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- أن عمر- رضي اللّه تعالى عنه- قال له في خلافته: هل تدري ما حملني على مقالتي التي قلت حين توفي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قال: قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين أنت أعلم قال: فإنه و اللّه ما حملني على ذلك إلا أني كنت أقرأ هذه الآية: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة ١٤٣] فو اللّه إني كنت لا أظن أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- سيبقى في أمّته حتى تشهد عليها بآخر أعمالها، فإنّه الذي حملني على أن قلت ما قلت.