سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٧٥ - الباب السابع و العشرون في عظم المصيبة و ما نزل بالمسلمين بموته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و الظلمة التي غشيت المدينة و تغير قلوب الناس و أحوالهم و بعض ما رثي به من الشعر
و روى أيضا عن ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: بكى الناس يوم مات رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حتى النساء في الخدور، و كادت البيوت تسقط من الصّراخ.
و روى ابن عساكر عن أبي ذؤيب الهذلي: أنه لما قدم المدينة يوم مات رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فإذا لها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلّوا بالإحرام.
و روى ابن سعد عن القاسم بن محمد أن رجلا من أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ذهب بصره فدخل عليه أصحابه يعودونه، فقال: إنما كنت أريدهما لأنظر بهما رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فأما إذ قبض اللّه نبيّه فما يسرني أن ما بهما بظبي من ظباء تبالة.
و روى الإمام أحمد و أبو يعلى بسند صحيح و ابن أبي شيبة و البزار و الطبراني عن الزهري قال: أخبرني رجل من الأنصار من أهل الثقة، و أبو عبد الله بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعنا عثمان بن عفان يقول: لما مات رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- وسوس رجال فإني كنت فيمن وسوس فمر عليّ عمر فسلّم فلم أردّ عليه ما علمت بتسليمه ... الحديث.
و روى ابن سعد و ابن أبي شيبة و الإمام أحمد و ابن عدي و الدارقطني في «الإفراد» و العقيلي و البيهقي في «شعب الإيمان» و الضياء عن عثمان- رضي اللّه تعالى عنه- أنّ رجالا من أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حزنوا عليه حتى كاد بعضهم يوسوس و كنت منهم فقلت لأبي بكر: توفي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قبل أن أسأله عن نجاة هذه الأمة، قال أبو بكر: قد سألته عن ذلك، فقال: من قبل مني الكلمة التي عرضتها على عمي فردها عليّ فهي له نجاة.
و روى الإمام أحمد و الترمذي و حسنه و البيهقي بسند قال ابن كثير: على شرط الشيخين عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- قال: لما كان اليوم الذي [دخل فيه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي] [١] مات فيه أظلم من المدينة كلّ شيء.
و في رواية: أظلمت المدينة حتى لم ينظر بعضنا إلى بعض، و كان أحدنا يبسط يده فلا يبصرها، و في رواية: فلم أر يوما أقبح منه فما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا انتهى.
و روى الإمام أحمد و مسلم و البيهقيّ عنه قال: إن أمّ أيمن بكت لما قبض رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فقيل لها: ما يبكيك يا أمّ أيمن ما عند اللّه خير لرسوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قد أكرم اللّه نبيه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و أدخله جنته، و أراحه من نصب الدنيا فقالت: و اللّه ما أبكي، أن لا أكون أعلم أنّ ما عند اللّه خير لرسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لكن أبكي أن الوحي انقطع من السماء كان يأتينا غضّا جديدا كل يوم و ليلة، فعجب الناس من قولها».
[١] ما بين المعكوفين سقط في ب.