سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٣١ - تنبيهات
التغذية و التلطيف و التليين و تقوية الطبيعة، فالحمية من أكبر الأدوية مثل الدّوالي يمنع زائده و انتشاره.
الثالث: و قال ابن القيم: و مما ينبغي أن يعلم أن كثيرا مما يحمى عنه العليل و الناقة و الصحيح إذا اشتدت الشهوة إليه، و مالت إليه الطبيعة، فتناول منه الشيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعة عن هضمه لم يضرّه تناوله، بل ربما انتفع به، فإن الطبيعة و المعدة تتلقيانه بالقبول و المحبة فيصلحان ما يخشى من ضرره، و قد يكون أنفع من تناول ما تكرهه الطبيعة، و تدفعه من الدّاء، و لهذا أقرّ النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- صهيبا، و هو أرمد على تناول التمرات اليسيرة، و علم أنها لا تضرّه فإنّ المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق و كان فيه ما كان أنفع و أقل ضررا مما لا يشتهيه و إن كان نافعا في نفسه فإن صدقت شهوته و محبة الطبيعة له تدفع ضرره و كذلك العكس.
الرابع: لم يكره مالك الماء المشمس مطلقا و صححه النووي في الروضة، و حكاه الروياني في البحر عن النص، و مذهب الشافعي كراهة استعماله في البلاد و الأوقات الحارة، و في الأواني المنطبعة على الأصح، دون الحجر و الخشب و نحوهما، و استثنى النقدان لصفائهما، و لا يكره في الأحياض و البرك قطعا، و الكراهة مخصوصة بالثوب لا البدن، و لوقت حرارته، لو برد فلا كراهة على ما صحّحه في الروضة، و صحح في الشرح بقاءها، و خصّه صاحب التهذيب بالإناء المنسد الرأس لحبس الحرارة به، و في شرح المهذب: الكراهة شرعية يثاب تاركها، و في شرح التنبيه: إذا اعتبرنا القصد فشرعية و إلا فإرشادية، و هي للتنزيه، فلا تمنع صحة الطهارة، و قال الطبري: إن خاف الأذى جزم، و قال ابن عبد السلام: لو لم يجد غيره وجب استعماله.
الخامس: قوله «كلّه» رفع توهم المجاز في البعض، و لم يعين في شيء من الروايات الجناح الذي فيه الشّفاء، لكن ذكر بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر فعلم أن الشفاء في الأيمن.
السادس: روى أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعا «الذّباب غالب عمره أربعون ليلة، و الذباب كلّه في النار إلا النّحل» و سنده لا بأس به، قال الجاحظ: كونه في النار ليس تعذيبا له، بل ليعذب به أهل النار، [قال أفلاطون: الذباب أحرص الأشياء، حتى أنه يلقي نفسه في كل شيء، و لو كان فيه هلاكه]. و يتولد من العفونة [و لا جفن للذبابة لصغر حدقتها، و الجفن يصقل الحدقة، فالذبابة تصقل بيديها فلا تزال تمسح عينيها] و من عجيب أمره أن رجيعه يقع على الثّوب الأسود أبيض و بالعكس، و أكثر ما يظهر في أماكن العفونة، و مبدأ خلقه منها، ثم من