سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤ - الباب الأول في حاله في جسمه (صلّى اللّه عليه و سلّم)
قال بعض المحققين: و هذه الطوارئ و التغييرات المذكورة إنما تختصّ بأجسامهم البشرية المقصود بها مقاومة البشر، و معاناة بني آدم لمشاكلة الجنس.
و أمّا بواطنهم فمنزّهة غالبا عن ذلك معصومة منه، متعلقة بالملإ الأعلى و الملائكة لأخذها عنهم، و تلقّيها الوحي منهم.
قال: و قد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): إنّ عينيّ تنامان و لا ينام قلبي.
و قال: إنّي لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربّي و يسقيني.
و قال: لست أنسي، و لكن أنسّى، ليستنّ بي.
فأخبر أنّ سرّه و باطنه و روحه بخلاف جسمه و ظاهره، و أنّ الآفات التي تحلّ ظاهره من ضعف و جوع، و سهر و نوم، لا يحلّ منها شيء باطنه، بخلاف غيره من البشر في حكم الباطن، لأنّ غيره إذا نام استغرق النوم جسمه و قلبه، و هو (صلّى اللّه عليه و سلّم) في نومه حاضر القلب كما هو في يقظته حتى قد جاء في بعض الآثار أنه كان محروسا من الحدث في نومه لكون قلبه يقظان كما ذكرناه.
و كذلك غيره إذا جاع ضعف لذلك جسمه، و خارت قوّته، فبطلت بالكليّة جملته، و هو (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد أخبره أنه لا يعتريه ذلك، و أنه بخلافهم،
لقوله: لست كهيئتكم: إني أبيت يطعمني ربي و يسقيني.
و كذلك أقول: إنه في هذه الأحوال كلّها، من وصب و مرض، و سحر و غضب، لم يجز على باطنه ما يخلّ به، و لا فاض منه على لسانه و جوارحه ما لا يليق به، كما يعتري غيره من البشر ممّ نأخذ بعد في بيانه.
فإن قلت: فقد جاءت الأخبار الصحيحة أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سحر كما حدثنا الشيخ أبو محمد العتّابي بقراءتي عليه، قال: حدثنا حاتم بن محمد، حدثنا أبو الحسن عليّ بن خلف، حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا البخاري، حدثنا عبيد بن إسماعيل، قال:
حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي اللّه عنها، قالت: سحر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى إنه ليخيّل إليه أنه فعل الشيء و ما فعله.
و في رواية أخرى: حتى كان يخيّل إليه أنه كان يأتي النساء و لا يأتيهن ... الحديث.
و إذا كان هذا من التباس الأمر على المسحور فكيف حال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في ذلك؟ و كيف جاز عليه- و هو معصوم؟