سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥٠ - تنبيهات
و نقل ابن الجوزي عن محمد بن عمر الأسلمي قال: كانت لحارثة بن النعمان منازل قرب المسجد و حوله، و كلما أحدث رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أخلا و نزل له حارثة عن منزل- أي:
محل حجرة- حتى صارت منازله كلّها لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و أزواجه.
و روى ابن سعد و يحيى بن الحسن من طريق محمد بن عمر: حدثنا عبد اللّه بن زيد الهذلي قال: رأيت بيوت أزواج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حين هدمها عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد بن عبد الملك، كانت بيوتا بالّلبن و لها حجر من جريد مطرورة بالطين، عددت تسعة أبيات بحجرها، و هي ما بين بيت عائشة إلى الباب الذي يلي باب النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إلى منزل أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، و رأيت بيت أم سلمة و حجرتها من لبن، فسألت ابن ابنها فقال: لما غزا رسول اللّه غزوة دومة الجندل بنت أم سلمة حجرتها بلبن،
فلما قدم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- نظر إلى اللبن، فدخل عليها أول نسائه، فقال: ما هذا البناء؟ فقالت:
أردت يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أن أكف أبصار الناس فقال: يا أم سلمة إن شر ما ذهب فيه مال المسلمين البنيان.
قال محمد بن عمر: فحدثت هذا الحديث معاذ بن محمد الأنصاري فقال: سمعت عطاء الخرساني في مجلس فيه عمر بن أبي أنس يقول و هو فيما بين القبر الشريف و المنبر:
أدركت حجر أزواج النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- من جريد النّخل على أبوابها المسوح، شعر أسود فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ، يأمر بإدخال حجر أزواج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في مسجد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فما رأيت أكثر باكيا من ذلك اليوم فقال عطاء: فسمعت سعيد بن المسيب يقول يومئذ: و اللّه لوددت أنهم [١] تركوها على حالها ينشأ ناشئ من أهل المدينة، و يقدم القادم من الأفق فيرى ما اكتفى به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في حياته فيكون ذلك مما يزهد الناس في التّكاثر و التّفاخر.
قال معاذ: فلما فرغ عطاء الخراساني من حديثه قال عمر بن أبي أنس: كان منها أربعة أبيات بلبن، لها حجر من جريد، و كانت خمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر لها، على أبوابها مسوح الشعر ذرعت الستر فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع و العظم أو أدنى من العظم، فأما ما ذكرت من البكاء يومئذ فلقد رأيتني في مجلس فيه نفر من أبناء أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، و أبو أمامة بن سهل بن حنيف، و خارجة بن زيد بن ثابت، و إنهم ليبكون حتى أخضل لحاهم الدمع.
[١] في أ: لو.