سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٩ - الباب السادس في الحكمة في إجراء الأمراض و شدتها عليه و كذا سائر الأنبياء- (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)
حاله، ممتّع بصحة جسمه، كالأرزة الصمّاء، حتى إذا أراد اللّه هلاكه قصمه لحينه على غرّة، و أخذه بغتة من غير لطف و لا رفق، فكان موته أشدّ عليه حسرة، و مقاساة نزعه مع قوة نفسه و صحة جسمه أشدّ ألما و عذابا، و لعذاب الآخرة أشدّ، كانجعاف الأرزة. و كما قال تعالى:
فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ.
و كذلك عادة اللّه تعالى في أعدائه، كما قال تعالى: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ، وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا ...، ففاجأ جميعهم بالموت على حال عتوّ و غفلة، و صبّحهم به على غير استعداد بغتة، و لهذا ما كره السلف موت الفجاءة.
و منه في حديث إبراهيم: كانوا يكرهون أخذة كأخذة الأسف: أي الغضب، يريد موت الفجاءة.
و حكمة ثالثة أنّ الأمراض نذير الممات، و بقدر شدّتها شدة الخوف من نزول الموت، فيستعدّ من أصابته و علم تعاهدها له، للقاء ربّه، و يعرض عن دار الدنيا الكثيرة الأنكاد، و يكون قلبه معلّقا بالمعاد، فيتنصّل من كلّ ما يخشى تباعته من قبل اللّه، و قبل العباد، و يؤدّي الحقوق إلى أهلها، و ينظر فيما يحتاج إليه من وصيّة فيمن يخلّفه أو أمر يعهده.
و هذا نبيّنا (صلّى اللّه عليه و سلّم) المغفور له ما تقدّم و ما تأخّر، قد طلب التنصّل في مرضه ممّن كان له عليه مال أو حقّ في بدن، و أفاد من نفسه و ماله، و أمكن من القصاص منه، على ما ورد في حديث الفضل، و حديث الوفاة، و أوصى بالثقلين بعده: كتاب اللّه، و عترته، و بالأنصار عيبته، و دعا إلى كتب كتاب لئلا تضلّ أمته بعده، إما في النصّ على الخلافة، أو اللّه أعلم بمراده. ثم رأى الإمساك عنه أفضل و خيرا.
و هكذا سيرة عباد اللّه المؤمنين و أوليائه المتقين.
و هذا كلّه يحرمه غالبا الكفّار، لإملاء اللّه لهم، ليزدادوا إثما، و ليستدرجهم من حيث لا يعلمون، قال اللّه تعالى: ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ. فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ.
و لذلك
قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) في رجل مات فجأة: «سبحان اللّه! كأنه على غضب، المحروم من حرم وصيّته».
و قال: «موت الفجاءة راحة للمؤمن، و أخذة أسف للكافر و الفاجر»،
و ذلك لأن الموت يأتي المؤمن، و هو غالبا مستعدّ له منتظر لحلوله، فهان أمره عليه كيفما جاء، و أفضى إلى راحته من نصب الدنيا و أذاها،
كما قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): مستريح و مستراح منه.
و تأتي الكافر و الفاجر منيّته على