سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨ - الباب السادس في الحكمة في إجراء الأمراض و شدتها عليه و كذا سائر الأنبياء- (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)
و عن أنس، عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، و إنّ اللّه إذا أحبّ قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرّضا، و من سخط فله السّخط.
و قد قال المفسرون في قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ، إنّ المسلم يجزى بمصائب الدنيا، فتكون له كفارة. و روي هذا عن عائشة، و أبيّ، و مجاهد.
و قال أبو هريرة، عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من يرد اللّه به خيرا يصب منه».
و قال في رواية عائشة: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلّا يكفّر اللّه بها عنه حتى الشوكة يشاكها».
و قال في رواية أبي سعيد: «ما يصيب المؤمن من نصب و لا وصب، و لا همّ و لا حزن، و لا أذى و لا غمّ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر اللّه بها من خطاياه».
و في حديث ابن مسعود: «ما من مسلم يصيبه أذى إلا حاتّ اللّه عنه خطاياه كل تحاتّ ورق الشّجر».
و حكمة أخرى أودعها اللّه في الأمراض لأجسامهم، و تعاقب الأوجاع عليها و شدّتها عند مماتهم، لتضعف قوى نفوسهم، فيسهل خروجها عند قبضهم، و تخفّ عليهم مؤنة النّزع، و شدة السكرات بتقدّم المرض، و ضعف الجسم و النّفس لذلك.
و هذا خلاف موت الفجاءة و أخذه، كما يشاهد من اختلاف أحوال الموتى في الشدة و اللّين، و الصعوبة و السهولة.
و قد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «مثل المؤمن مثل خامة الزّرع تفيّؤها الرّيح هكذا و هكذا.
و في رواية أبي هريرة عنه: «من حيث أتتها الريح تكفؤها، فإذا سكنت اعتدلت، و كذلك المؤمن يكفأ بالبلاء. و مثل الكافر كمثل الأرزة صمّاء معتدلة حتى يقصمه اللّه».
معناه أنّ المؤمن مرزّأ، مصاب بالبلاء و الأمراض، راض بتصريفه بين أقدار اللّه تعالى، منصاع لذلك، ليّن الجانب برضاه و قلّة سخطه، كطاعة خامة الزّرع و انقيادها للرياح، و تمايلها لهبوبها و ترنحها من حيث ما أتتها، فإذا أزاح اللّه عن المؤمن رياح البلايا، و اعتدل صحيحا كما اعتدلت خامة الزّرع عند سكون رياح الجوّ إلى شكر ربّه و معرفة نعمته عليه برفع بلائه، منتظرا رحمته و ثوابه عليه.
فإذا كان بهذه السبيل لم يصعب عليه مرض الموت، و لا نزوله، و لا اشتدّت عليه سكراته و نزعه، لعادته بما تقدّم من الآلام و معرفة ما له فيها من الأجر، و توطينه نفسه على المصائب و رقّتها و ضعفها بتوالي المرض أو شدّته، و الكافر بخلاف هذا: معافى في غالب