سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٧ - الباب السادس في الحكمة في إجراء الأمراض و شدتها عليه و كذا سائر الأنبياء- (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)
و عن أنس، عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم): إذا أراد اللّه بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا، و إذا أراد اللّه بعبده الشرّ أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة.
و في حديث آخر: إذا أحبّ اللّه عبدا ابتلاه ليسمع تضرّعه.
و حكى السمرقندي أنّ كلّ من كان أكرم على اللّه تعالى كان بلاؤه أشدّ كي يتبيّن فضله، و يستوجب الثواب، كما روي عن لقمان أنه قال: يا بنيّ، الذهب و الفضة يختبران بالنار، و المؤمن يختبر بالبلاء.
و قد حكي أنّ ابتلاء يعقوب بيوسف كان سببه التفاته في صلواته إليه، و يوسف نائم محبّة له.
و قيل: بل اجتمع يوما هو و ابنه يوسف على أكل حمل مشويّ، و هما يضحكان، و كان لهم جار يتيم، فشمّ ريحه و اشتهاه و بكى، و بكت جدّة له عجوز لبكائه، و بينهما جدار، و لا علم عند يعقوب و ابنه، فعوقب يعقوب بالبكاء أسفا على يوسف إلى أن سالت حدقتاه، و ابيضّت عيناه من الحزن. فلما علم بذلك كان بقيّة حياته يأمر مناديا ينادي على سطحه: أ لا من كان مفطرا فليتغدّ عند آل يعقوب.
و عوقب يوسف بالمحنة التي نصّ اللّه عليها.
و روي عن الليث أنّ سبب بلاء أيوب أنه دخل مع أهل قريته على ملكهم، فكلّموه في ظلمه، و أغلظوا له إلّا أيوب، فإنه رفق به مخافة على زرعه، فعاقبه اللّه ببلائه.
و محنة سليمان لما ذكرناه من نيته في كون الحقّ في جنبه أصهاره، أو للعمل بالمعصية في داره، و لا علم عنده.
و هذه فائدة شدّة المرض و الوجع بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قالت عائشة: رأيت الوجع على أحد أشدّ منه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و عن عبد الله: رأيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مرضه، يوعك وعكا شديدا، فقلت: إنك لتوعك وعكا شديدا! قال: أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم. قلت: ذلك أنّ الأجر مرتين، قال: أجل، ذلك كذلك.
و في حديث أبي سعيد أن رجلا وضع يده على النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قال: و اللّه ما أطيق أضع يدي عليك من شدّة حمّاك. فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم): إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء، إن كان النبيّ ليبتلى بالقمل حتى يقتله، و إن كان النبيّ ليبتلى بالفقر، و إن كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء.