المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٣٣ - باب ذكر موسى عليه السلام
فبعث إلى وزيره، فدعاه فقال: أنت استعملت هذا؟ قال: لا، فدعاه، فقال: من استعملك، فقص عليه القصة، و أخبره بأمر البطيخ و أنهم قالوا له انه ليس ها هنا أحد يعدل، فلما رأيت ذلك صنعت ما ترى لينتهي إليك، فتغير و تنتبه لملكك [١]. قال:
فمذ كم أنت على حالك [٢]، فقال: سنين كثيرة حتى صرت إلى الأموال الكثيرة [٣]، فأمر بوزيره فضربت عنقه، و استوزر فرعون فسار فيهم بسيرة حسنة و أذاقهم فيها طعم العيش لما كانوا فيه قبل. يقضي [بالحق و لو على نفسه.
ثم] ان الملك مات، فقالوا: من نستخلف؟ فاجتمع رأيهم فقالوا: لا نستعمل غير هذا الّذي أذاقنا طعم العيش، فملكوه على أنفسهم، فلم يزل عليهم يموت قرن و يخلفهم آخرون، و تراخى به السن و طال ملكه حتى ادعى ما علمتم.
قال علماء السير: قالت الكهنة لفرعون: يولد مولود في بني إسرائيل يكون هلاكك على يده، فأمر بذبح أبنائهم، ثم اشتكت القبط إلى فرعون و قالت: إن دمت على الذبح فلم يبق من بني إسرائيل من يخدمنا، فصار يذبح سنة و يترك سنة.
فولد هارون في السنة التي لا يذبح فيها، و ولد موسى بعده بسنة.
و قال قوم: بينهما ثلاث سنين.
قال وهب: بلغني أنه ذبح سبعين ألف وليد فلما حملت أم موسى بموسى لم يتبين حملها و لم تعلم بولادتها إلا أخته مريم، فكتمته ثلاثة أشهر.
فلما ولد موسى دخل الطلب إليها فرمته في التنور فسلم، ثم خافت عليه، فصنعت له تابوتا و ألقته في البحر فحمله الماء إلى أن ألقاه بين يدي فرعون.
فلما فتح التابوت فنظر إليه، قال: عبراني من الأعداء، كيف أخطأه الذبح؟
فقالت آسية: هذا أكبر من ابن سنة، و إنما أمرت بذبح أولاد هذه السنة فدعه يكون قرة عين لي و لك.
[١] في المختصر: «ليس هاهنا أحد يعدل و ينصف المظلوم من المظالم، فلما رأيت أن الأمر على هذا المنوال فعلت ذلك لعله ينتهي إليك لتعلم أحوال ملكك، فتغير و تنبه لأمره».
[٢] في المختصر: «فمذ كم أنت تفعل هكذا».
[٣] في الأصل: «فذكر سنين حتى صار إلى الأموال و اتسع». و ما أوردناه من المختصر.