المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٦٦ - و من الحوادث خروج إبراهيم إلى مكة بإسماعيل و هاجر
أخبرنا عبد الأول، أخبرنا ابن طلحة الدراوردي، أخبرنا ابن أعين السرخسي، حدثنا أبو عبد اللَّه الفربري، حدثنا البخاري، حدثنا عبد اللَّه بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب السختياني، و كثير بن كثير بن المطلب. ابن أبي وداعة- يزيد أحدهما على الآخر- عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس:
أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقا لتعفّي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم و بابنها إسماعيل و هي ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، و ليس بمكة يومئذ أحد و ليس بها ماء، فوضعهما هنالك و وضع عندهما جرابا فيه تمر و سقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب و تتركنا بهذا الوادي الّذي ليس فيه أنيس و لا شيء، فقالت له ذلك مرارا و جعل لا يلتفت إليها، فقالت: اللَّه أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذا لا يضيّعنا.
ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حتى لا يروه، استقبل بوجهه البيت، دعا بهؤلاء الدعوات، و رفع يديه، فقال:
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ حتى بلغ يَشْكُرُونَ [١].
و جعلت أم إسماعيل [ترضع ابنها] [٢] و تشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في ماء السقاء عطشت و عطش ابنها، و جعلت تنظر إليه يتلوى- أو قال: يتلبط- فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة و قامت عليها و نظرت هل ترى أحدا [فلم تر أحدا] [٣]، ففعلت ذلك سبع مرات.
[١] سورة: إبراهيم، الآية: ٣٧.
[٢] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
[٣] ما بين المعقوفتين: من صحيح البخاري.