المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣١٥ - و من الحوادث في زمان يعقوب
و قد روي أن زليخا صارت في ملك يوسف لأنها اشترت منه بجميع ملكها، ثم بنفسها فأخرجها يوسف من مدينته فابتنت لنفسها مسكنا على قارعة طريق يوسف، فغيرتها السنون و نسيها يوسف و اشتغل بملكه عليه السلام، و كبرت و عميت و انحنى صلبها. و كان يوسف يركب في كل شهر ركبة في ثمانمائة ألف، و في ألف لواء و ألفي سيف يدور في عمله و ينتصب لأهل مملكته، و ينصف للمظلوم من الظالم. و كانت زليخا تلبس جبة صوف و تشد حقويها بحبل من ليف و تقف على قارعة الطريق فإذا حاذاها يوسف نادته فلا يسمع نداءها، ففعلت ذلك مرارا، فركب يوما فنادته: أيها العزيز سبحان من جعل العبيد بالطاعة ملوكا. و جعل الملوك بالمعصية عبيدا، فسمعها فبكى و التفت إلى فتاه، فقال: انطلق بهذا العجوز معك إلى دار الملك، و اقض لها كل حاجة، فقال لها الغلام: ما حاجتك يا عجوز؟ فقالت له: إن حاجتي محرمة أن يقضيها غير يوسف، فأقبل يوسف من موكبه فدعا بها، و قال: من أنت يا عجوز؟ قالت: أنا معتقتك و مذللتك، أنا زليخا، فبكى و قال: ما فعل حسبك و جمالك، قالت: ذهب به الّذي ذهب بذلّتك و مسكنتك و أعطاك هذا الملك، فقال: يا زليخا إن لك عندي قضاء ثلاث حوائج فسلي، فو حقّ شيبة إبراهيم لأقضينها، فقالت: حاجتي الأولى أن تدعو اللَّه أن يرد عليّ بصري و شبابي، فدعا اللَّه لها فرد بصرها و شبابها، فلما نظر إلى حسنها و جمالها لم يتمالك أن ضحك، ثم قالت: ادع اللَّه أن يرد عليّ حسني كما كان، فدعا اللَّه فرد حسنها و جمالها و زادها كرامة ليوسف، فصارت كأنها بنت ثماني عشرة سنة، و كان لها يومئذ مائة و عشرون سنة، فقالت: حاجتي الثالثة ... قال ما هي؟ قالت:
ليست حاجتي إليك، قال: فما حاجتك؟ قالت: أن تتزوج بي، فأوحى اللَّه إليه أن تزوج بها و زينها بكل زينة، ثم دخل بها فأصابها بكرا، و أولدها اثني عشر ولدا.
ذكر هذه القصة أبو الحسين بن المنادي من حديث وهب بن منبه، و غيره.
قال العلماء: و بلغ الجدب أرض كنعان و هلكت ماشية يعقوب و دوابه و جاع هو و أولاده، فقال لهم: انطلقوا فاشتروا لنا من عزيز مصر طعاما. و كان يوسف قد أقعد صاحب جوازه على الطريق، و أمره أن لا يترك أحدا من أهل الشام يدخل مصر إلا سأله عن حاله و قصته، فلما قدم ولد يعقوب سألهم من أين هم؟ فقالوا: نحن كنعانيون من بني يعقوب النبي عليه السلام، و كتب إلى يوسف بذلك، و أنهم يريدون اشتراء طعام، فورد