المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٢٧ - و من الحوادث التي كانت في زمن شعيب ملك منوشهر
رعيته فقام خطيبا فوبّخ رعيته- و يقال: هي أول خطبة سمعت من خطيب- و قال [١]:
إنما الناس ناس ما دفعوا العدو عنهم، و قد نالت الترك من أطرفكم، و ليس ذلك إلا من ترككم جهاد عدوّكم، و قلة المبالاة، و إن اللَّه أعطانا هذا الملك ليبلونا أ نشكر فيزيدنا أم نكفر فيعاقبنا، فإذا كان غدا فاحضروا.
و أرسل إلى أشراف الأساورة فدعاهم و أدخل الرؤساء، و دعي موبذ موبذان، فأقعد على كرسي مما يلي سريره، ثم قام على سريره، فقام أشراف أهل مملكته، فقال:
اجلسوا فإنّي إنما قمت لأسمعكم كلامي، فجلسوا، فقال: أيها الناس، إنما الخلق للخالق، و الشكر للمنعم، و التسليم للقادر، و لا بد مما هو كائن، و إنه لا أضعف من مخلوق طالبا كان أو مطلوبا، و لا أقوى من خالق، و لا أقدر ممن طلبته في يده، و لا أعجز ممن هو في يد طالبه، و إن التفكر نور، و الغفلة ظلمة، و الجهالة ضلالة، و قد ورد الأول و لا بد للآخر من اللحوق بالأول، و قد مضت قبلنا أصول نحن فروعها، فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله! و إن اللَّه عز و جل أعطانا هذا الملك فله الحمد، و نسأله إلهام الرشد و الصدق و اليقين، و إن للملك على أهل مملكته [حقا، و لأهل مملكته عليه حقا، فحق الملك على أهل المملكة] [٢] أن يطيعوه و يناصحوه و يقاتلوا عدوّه، و حقهم على الملك أن يعطيهم أرزاقهم في أوقاتها، إذ لا معتمد لهم على غيرها و [أنها تجارتهم، و حق الرعية على الملك] [٣] أن ينظر لهم، و يرفق بهم، و لا يحملهم ما لا يطيقون، و إن أصابتهم مصيبة تنقص من ثمارهم من آفة من السماء أو الأرض أن يسقط عنهم خراج ما نقص، و إن اجتاحتهم مصيبة أن يعوضهم ما يقويهم على عمارتها، ثم يأخذ منهم بعد ذلك على قدر ما لا يجحف بهم، و الجند للملك بمنزلة جناحي الطائر، فمتى قصّ من الجناح ريشه كان ذلك نقصانا منه، فكذلك الملك إنما هو بجناحه و ريشه.
ألا و إن الملك ينبغي أن يكون فيه ثلاث خصال: أولها أن يكون صدوقا لا يكذب، و أن يكون سخيا لا يبخل، و أن يملك نفسه عند الغضب، فإنه مسلّط و يده
[١] الخطبة في تاريخ الطبري ١/ ٣٨٠، و غرر السير ٦٦، و مرآة الزمان ١/ ٣٨٩.
[٢] ما بين المعقوفتين: من تاريخ الطبري.
[٣] ما بين المعقوفتين: من تاريخ الطبري.