المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٩١ - ذكر خبر أسا بن أبيا و زرح الهندي
قال: ائتوني به، فلما أتوه به، قال: هل يبقى هذا لأحد أو يبقون له؟ قالوا: لا، قال: فلا حاجة لي به، إنما طلبي لما يتبقى.
فساروا من بيت المقدس متوجهين إلى زرح ملكهم فأخبروه الخبر، فقال: إن صديق أسا لا يطيق أن يأتي بأكثر من جندي، و لا بأكمل من عدتي.
ثم جمع العساكر ألف ألف و مائة ألف سوى أهل بلاده، ثم أمر بمائة مركب، فقرن له البغال، كل أربعة أبغل جميعا عليها سرير و قبة، و في كل قبة منهن جارية، و مع كل مركب عشرة من الخدم، و خمسة أفيال من فيلته، و جعل خاصته الّذي يركبون معه مائة ألف. ثم قال: أين صديق أسا؟ هل يستطيع أن يعصمه مني، فبلغ الخبر أسا، فدعى ربه فقال: اللَّهمّ أنت القوي انظر إلى ضعفنا و قوة عدونا فغرق عدونا في اليم كما غرقت فرعون.
ثم نام فرأى في المنام: أني قد سمعت كلامك، و أني إن غرقته لم يعلم بنو إسرائيل كيف صنعت بهم، و لكن سأظهر لك و لمن اتبعك فيهم قدرة حتى أكفيك مئونتهم، و أهب لك غنيمتهم حتى يعلم أعداؤك أن صديق أسا لا يطاق وليّه، و لا يهزم جنده.
فأرسل أسا إليهم طليعته، فرجعوا يقولون: لم تر عيون بني آدم مثلهم و لا مثل فيلهم، فقد انقطع رجاؤنا.
و جاء أهل البلد إلى أسا، فقالوا: إنا خارجون بأجمعنا إلى هؤلاء القوم لعلهم يرحمونا. فقال: أما معاذ اللَّه أن نلقي بأيدينا في أيدي الكفرة، قالوا: فاحتل لنا حيلة، و اطلب إلى صديقك الّذي كنت تعدنا بنصره، فإن الصديق لا يسلم صديقه على مثل هذا، فدخل أسا المصلّى، و وضع تاجه و حل ثيابه و لبس المسوح و افترش الرماد، ثم أخذ في الدعاء و جعل يقول: اللَّهمّ رب السموات السبع و رب العرش العظيم إله إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط، أنت الّذي لا يطيق كنه عظمتك بشر، أسألك بالمسألة التي سألك بها إبراهيم خليلك فأطفأت بها عنه النار، و بالدعاء الّذي دعاك به نجيّك موسى فأنجيت بني إسرائيل من الظلمة و أعتقتهم من العبوديّة، و بالتضرع الّذي تضرع لك عبدك داود فرفعته و نصرته على جالوت، أنت محيي الموتى، فقد حل بنا كرب عظيم لا يطيق كشفه غيرك و لا حول و لا قوة إلا بك.