المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٠٢ - ذكر كتابه إلى أمه يعزيها عن نفسه
يتعبك الحزن فإنك لم تكوني جاهلة بأني من الذين يموتون. يا أمتاه إني كتبت كتابي هذا و أنا أرجو أن تعتبري به و يحسن موقعه منك، فلا تخلفي ظني و لا تحزني روحي، يا أمتاه إني قد علمت يقينا أن الّذي أذهب إليه خير من مكاني الّذي أنا فيه، و أطهر من الهموم و الأحزان و الأسقام و النصب و الأمراض فاغتبطي لي بمذهبي، و استعدي لاتباعي، يا أمتاه إن ذكري قد انقطع من الدنيا و ما كنت أذكر به من الملك و الرأي، فاجعلي لي من بعدي ذكرا أذكر به في حلمك و صبرك و الرضا [بما يقول الحكماء، يا أمتاه إن الناس سينظرون إلى هذا منك و هم راض و كاره و مستمع و قائل، فأحسني إلي و إلى نفسك في ذلك، يا أمتاه السلام في هذا الدار قليل زائل فليكن عليك] [١] و علينا في دار الأزل السلام الدائم. فتفكري بفهم وديعة نفسك أن تكوني شبه النساء في الجزع كما كنت لا أرضى شبه الرجال في الاستكانة و الضعف، و لم يكن ذلك يرضيك فيّ.
ثم مات رحمه اللَّه.
و في رواية أنه كان في كتابه إليها: [يا أماه] [٢] اصنعي طعاما و اجمعي من قدرت عليه من نساء أهل المملكة، و لا يأكل طعامك من أصيب بمصيبة. فصنعت طعاما و جمعت الناس و قالت: لا يأكل من أصيب بمصيبة قط، فلم يأكل أحد، فعلمت ما أراد [٣].
فلما حمل تابوته إليها تلفتت بعظماء أهل المملكة، فلما رأته قالت: يا ذا الّذي بلغ السماء حلمه و جاز أقطار الأرض ملكه، و دانت الملوك عنوة له، مالك/ اليوم نائما لا تستيقظ، و ساكتا لا تتكلم، من بلغك عني بأنك وعظتني فاتعظت، و عزيتني فتعزّيت، فعليك السلام حيّا و ميتا. ثم أمرت بدفنه [٤].
و اختلف في قدر عمره، فذكر عن أهل الكتاب أنه عاش ثلاثة آلاف سنة. و ذكر أبو بكر بن أبي خيثمة أنه عاش ألفا و ستمائة سنة.
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل و أوردناه من المرآة.
[٢] ما بين المعقوفتين: من المرآة.
[٣] مرآة الزمان ١/ ٣٣٦، و مختار الحكم ٢٤٢.
[٤] مرآة الزمان ١/ ٣٣٦، و مختار الحكم ٢٤١.