المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١١٩ - ذكر الدليل على وجود الخالق سبحانه و تعالى
لوجوده من مرجح له على العدم، و هذا أمر ضروري في العقل لا نزاع فيه، فظهر منه أنه لا بد للموجودات من موجد أوجده.
فإن قيل: يبطل هذا بالخالق فإنه موجود لا بموجد.
قلنا: الخالق واجب الوجود لم يزل، و هذه الأشياء جائزة الوجود و بدت بعد عدم فافتقر إلى موجد.
و يزيد ما قلنا إيضاحا فنقول: اعلم أن الأدلة على إثبات الصانع بعدد أجزاء أعيان الموجودات كلها، إذ ما من شيء إلا و فيه دليل على صانعه، و في كل شيء له آية تدل على أنه واحد، و قد ثبت في الأزمان أنه لا كتابة إلا بكاتب، و لا بناء إلا ببان.
و من الدليل عليه نظم العالم و تركيبه و ترتيبه و احكام صنعته، فإن تفكرت في هذه على لطف جرمها، كيف كونت و ركبت أعضاؤها، ثم قد ركبت فيها علم مصالحها، و اجتناب مضارها، و مناقد أغذيتها، و سمعها و بصرها.
و من أعجب الأدلة عليه تفاوت الهمم و الطباع و الصور، فإن تكونت بالطبع لتساوت. و قد أشار عز و جل إلى ذلك، بقوله: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [١].
فإن قال قائل جاهل: منها و من فعل الطبيعة.
قلنا: إن كانت حية عالمة قادرة حكيمة فليس خلافنا إلا في الاسم، و إن لم يكن على هذه الأوصاف لم يتصور عنها فعل محكم.
و من ألطف الأدلة على وجوده: و له النفوس، و قرع القلوب إذا نابت نائبة إليه، و الكلام في هذا المعنى قد استوفي في مسائل الأصول، و لما كان هذا الكتاب لم يوضع لذلك اقتصرنا على هذه النبذة، و قد قال اللَّه عز و جل: هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ ... الآية [٢].
و أخبرنا هبة اللَّه بن محمد بن الحصين، أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن
[١] سورة الرعد، الآية: ٤
[٢] سورة: الحديد، الآية: ٣