المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣١٦ - و من الحوادث في زمان يعقوب
الكتاب على يوسف فبكى بكاء شديدا، ثم قال: عز علي يا نبي اللَّه بما قاسيت من فقراء الشام و جوعها و أنا ملك مصر، ثم أدخلهم عليه فَعَرَفَهُمْ وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [١] فجعته العبرة ثم قال: من أين أنتم؟ قالوا: من وادي كنعان، قال: و من أنتم؟ قالوا: بنو يعقوب النبي ابن إسحاق بن إبراهيم الخليل، فقال: حياكم اللَّه يا ولد يعقوب، أ لكم حاجة؟
قالوا: نعم أصابتنا خصاصة، فوجهنا يعقوب إليك نمتار منك طعاما، فأمر بصرارهم فأخذت، ثم دعا فتاه من حيث لا يشعرون، فأمره أن يجعل كل صرة في حمل من الأحمال التي يكيل فيها الطعام لهم، و كان هو يتولى الكيل بنفسه و يخيط الحمل بنفسه، فلما أرادوا الرحيل، قال: كيف رأيتم سيرتي و حسن ضيفي؟ قالوا: جزاك اللَّه خيرا، فقال: إن لي إليكم حاجة، قالوا: و ما حاجتك؟ قال: تخبروني كم ولد يعقوب؟ قالوا:
اثنا عشر، قال: فما أرى إلا عشرة، قالوا: أما أحدهما و كان يقال له يوسف و كان أجملنا فأكله الذئب، قال: فالآخر، قالوا: موكل بخدمة يعقوب يتسلى به، قال: فآتوني بأخيكم هذا، فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي، وَ لا تَقْرَبُونِ [٢].
فرجعوا إلى يعقوب فقصوا عليه قصتهم، فبكى يعقوب، و قال: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ [٣] ثم فتحوا متاعهم فوجدوا الصرار، فقالوا: يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا [٤]. ثم ما زالوا بيعقوب حتى بعث معهما ابن يامين، ثم أنه كره أن تصيبهم العين، فقال: لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَ ادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ [٥].
فلما وصلوا إليه فرأى يوسف ابن يامين خنقته العبرة، فلما جلسوا نصب لهم موائد ستة، و أمر كل واحد منهم أن يأخذ بيد أخيه من أمه و أبيه فيجلسان على مائدة، و أخذ كل واحد بيد أخيه، فبقيت مائدة خالية و ابن يامين قائم وحده، فقال يوسف: يا غلام ما لك لا تقعد مع إخوتك؟ قال: ليس لي قرين، و لقد كان لي أخ فأكله الذئب، فقال: أ تحب يا غلام
[١] سورة: يوسف، الآية: ٥٨.
[٢] سورة: يوسف، الآية: ٦٠.
[٣] سورة: يوسف، الآية: ٦٤.
[٤] سورة: يوسف، الآية: ٦٥.
[٥] سورة: يوسف، الآية: ٦٧.