المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٩٢ - ذكر طرف من أخباره
قال: نعم. فانتفض الطائر انتفاضة ثم انتفخ فبلغ ثلث الحديدة، ثم قال: هل كثرت شهادات الزور في الأرض؟ قال: نعم. فانتفض الطائر ثم انتفخ فبلغ ثلثي الحديدة، ثم قال: يا ذا القرنين: حدثني هل كثرت المعازف في الأرض؟ قال: نعم. فانتفض ثم انتفخ فملأ الحديدة و سد ما بين جداري القصر، فاجتث [١] ذو القرنين فرحا، فقال الطائر: هل ترك الناس شهادة أن لا إله إلا اللَّه؟ قال: لا، فانضم الطائر ثلثا ثم قال: هل تركت الصلاة المفروضة؟ قال: لا، فانضم الطائر ثلثا، ثم قال: هل ترك الناس غسل الجنابة، قال: لا، فعاد الطائر كما كان ثم قال: يا ذا القرنين اسلك هذه الدرجة إلى أعلى القصر، فسلكها فإذا سطح و عليه رجل قائم، فلما سمع خشخشة ذي القرنين قال: من هذا؟ قال: أنا ذو القرنين، قال: يا ذا القرنين أ ما كفاك ما وراءك حتى وصلت إليّ؟ قال: و من أنت؟ قال: أنا صاحب الصور، و إن الساعة اقتربت و أنا أنتظر أمر ربي أن أنفخ فأنفخ. ثم ناوله حجرا، فقال: خذها فإن شبع شبعت و إن جاع جعت، فرجع به إلى أصحابه فوضعوا الحجر في كفّه و وضعوا حجرا آخر مقابله، فإذا به يميل، فتركوا آخر كذلك إلى ألف حجر، فمال ذلك الحجر بالكل. فأخذ الخضر [كفا من تراب] [٢] و تركه في احدى الكفتين و أخذ حجرا من تلك الحجارة فوضعه في الكفة الأخرى و ترك معه كفا من تراب فوضعه على الحجر الّذي جاء به ذو القرنين، فاستوى في الميزان، فقال الخضر: هذا مثل ضرب لكم إن ابن آدم لا يشبع أبدا دون أن يحثى عليه التراب كما لم يشبع هذا الحجر حتى وضعت عليه التراب. قال: صدقت يا خضر لا جرم، لا طلبت أثرا في البلاد بعد مسيري هذا، فارتحل راجعا حتى إذا كان في وسط الظلمة وطئ الوادي الّذي فيه زبرجد، فقال من معه: ما هذا الّذي تحتنا؟ فقال ذو القرنين: خذوا منه، فإنه من أخذ ندم و من ترك ندم. فأخذ قوم و ترك قوم، فلما خرجوا من الظلمة إذا هو بزبرجد، فندم الآخذ و التارك. ثم رجع ذو القرنين إلى دومة الجندل و كانت منزله فأقام بها حتى مات
[٣].
[١] في المرآة: «ففزع».
[٢] ما بين المعقوفتين: من هامش الأصل.
[٣] بعد أن نقل سبط بن الجوزي هذا الخبر في المرآة ١/ ٣٣١، قال: «و من العجائب أن جدي رحمه اللَّه ما ذكر في الموضوعات هذه الحكاية، فإنه قد ذكر في الموضوعات و الواهية أسماء جماعة فيها مثل