المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٣٤ - باب ذكر موسى عليه السلام
و كان فرعون لا يولد له إلا البنات، فتركه و أحبه.
و لما رمته أمه في اليم بكت و جزعت، فربط اللَّه على قلبها فسكنت و كانت تتوكف الأخبار، حتى سمعت أن فرعون أخذ صبيا في تابوت فعرفت القصة، فقالت لأخته- و اسمها مريم، و كان له أختان: مريم و كلثوم: قصيه فانظري ما ذا يفعلون به.
فدخلت أخته على آسية مع النساء، و قد عرضت عليه المرضعات، فلم يقبل ثديا، فقالت أخته: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم؟ قالوا: نعم، من هم؟
قالت: حنة امرأة عمران، فبعثوا إليها، فأخذ ثديها فشرب و نام.
فلما انتهى رضاعه ردته إلى فرعون، فاتخذه يوما في حجره فمدّ بلحيته، فقال:
عليّ بالذابح، فقالت آسية: إنما هو صبي لا يعقل. و أخرجت له ياقوتا و جمرا فوضع يده على جمرة فطرحها في فيه فأحرقت لسانه، فذلك قوله: وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي [١].
و كبر موسى فكان يركب مراكب فرعون، و يلبس مثل ما يلبس، و كان يدعى موسى بن فرعون.
و إن فرعون ركب يوما و ليس عنده موسى، فلما جاء موسى ركب في أثره، فوجد في المدينة رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ أي: من بني إسرائيل وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ [٢] يعني القبط. فاستغاثه الإسرائيلي على القبطي، فوكزه موسى فمات.
فندم موسى على قتله، و أصبح خائفا أن يؤخذ [به] [٣].
فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ) [٤]. أي: يستغيثه على آخر. و كان القبط قد أخبروا فرعون بالقتل، فقال: إن عرفتم قاتله فأخبروني، فلم يعرفوه، فلما أراد موسى أن ينصر الإسرائيلي في هذا اليوم الثاني ظن الإسرائيلي أنه يقصده بالأذى، فقال: أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ [٥].
[١] سورة: طه، الآية: ٢٧.
[٢] سورة: القصص، الآية: ١٥.
[٣] ما بين المعقوفتين: من الطبري.
[٤] سورة: القصص، الآية: ١٨.
[٥] سورة: القصص، الآية: ١٩.