نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٨ - القسم الأول الصفات الكمالية للَّه
منفعة، فلا عبادة العباد تزيد من جلاله، ولاكفرهم ينال من كبريائه، فمن تولى عنه لم يستغن عنه، و من إعترض على قضائه لم يسعه دفعه. ثم ذكر الإمام عليه السلام خمس من صفاته الجمالية فقال:
«كل سر عندك علانية، وكل غيب عندك شهادة، أنت الابد فلا أمد لك، وأنت المنتهى فلا محيص [١] عنك، وأنت الموعد فلا منجى منك إلا إليك»
. قد تبدو للوهلة الاولى مفردة
«سر» و «غيب»
بمعنى واحد، وكذلك مفردتي
«علانية» و «شهادة»
، ولكن لايبعد أن يكون المراد بالسر، الأسرار الباطنية للعباد التي يعلمها اللَّه، وبعبارة اخرى فانّ كل سر علانية لديه، أمّا الغيب فيعني الحوادث الآتية، أو الماضية الغائبة على حسناً وشعورناً، أو الكائنات الموجودة حاليا في هذه السموات والأرض والتي لايبلغها حسنا. [٢]
والعبارة أنت الأبد تأكيد لأبدية اللَّه سبحانه. فهو على درجة من الأبدية وكأنه عينها وذاتها، فهو واجب الوجود، ومن هنا لابداية له ولا نهاية، فالبداية والنهاية من صفات المخلوقات المحدودة من مختلف الجهات.
والتعبير بالمنتهى والموعد صفتان متفاوتان بشأن اللَّه سبحانه وتعالى. فهو المنتهى بمعنى كل شيء ينتهي إليه:
«انا للَّهوانا إليه راجعون»
، وليس لأحد القدرة على الفرار من محكمة عدله.
وقد قال القرآن الكريم صراحة: «وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً» [٣].
والرسالة التي تحملها هذه الصفات هو أن نعلم ونؤمن بان اللَّه خبير عليم بكل شيء بما في ذلك بواطن أسرارنا وخفايانا، فما نكتمه على الخلق ليس بمكتوم على الخالق، واننا مرجعنا يوماً إلى محكمة العدل الإلهي، واخيراً لايخفى الدور التربوي والحيلولة دون الوقوع في الذنب والمعصية إذا ما التفتنا ألى هذه الصفات.
ثم واصل عليه السلام كلامه مؤكداً على قدرة اللَّه وعودة جميع الكائنات الحية إليه فقال:
«بيدك ناصية كل دابة، وإليك مصير كل نسمة»
.______________________________
(١) «محيص» من مادة «حيص» على وزن حيف بمعنى العودة والعدول واعتزال الشيء ومحيص اسم مكان، وعليه قد تعني الملاذ.
(٢) يستفاد من المصادر اللغوية ان السر ما يخفيه الإنسان، أمّا الغيب فما خفى على عيننا وحسنا.
(٣) سورة الكهف/ ٤٨.