نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٥ - تأمّل الزهد في الدنيا
ثم أورد عليه السلام الدليل الخامس والسادس الذي يدعو إلى الزهد في الدنيا وهو أنّ فرحها مقرون بالحزن وسرورها بالهم وقدرة الرجال وقوتهم إلى الضعف والوهن:
«سرورها مثوب بالحزن وجلد [١] الرجال فيها إلى الضعف والوهن».
فمشكلة النعم المادية الدنيوية قد أشار اليها الإمام عليه السلام في موضع آخر فقال:
«لاتنالون منها نعمة إلّابفراق اخرى» [٢]
، على سبيل المثال فالعقيم يتصدع قلبه بفعل عدم وجود الأولاد؛ إلّا أنّ مشكلته قد تحل بأن يمنح الأولاد، فسرعان ما تهجم عليه سائر المشاكل! ليس له ثروة كافية فيؤرقه ألم الفقر والحاجة، فاذا ما أصاب ثروة، واجهته مشاكل الحسد وخيانة الخونة وطمع اللصوص بثروته، حتى يفقد سكينته واستقراره. نعم فسرور الدنيا مشوب بالهم والغم والحزن، وقوة الإنسان آيلة فيها إلى الوهن، وهكذا يخلص الإمام عليه السلام من هذه الأدلة إلى نتيجة مؤداها:
«فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها».
صحيح أنّ الدنيا مليئة بمعاني الزينة والجمال والمظاهر الخلاية، إلّاأنّها وعلاوة على استبطانها للمشاكل والمحن، فهى متقلبة سائرة نحو الفناء والزوال. وعليه فلا يجدر بالعاقل الاهتمام بها والركون إليها.
على كل حال فانّ أدنى تأمل لهذه الأدلة يكفي لافاقة الغافلين من سباتهم، إلّاأنّ المؤسف هو أنّ أغلب الناس يبخل على نفسه حتى بتلك اللحظة من التأمل.
تأمّل: الزهد في الدنيا
قد يتصور أحياناً بأنّ مفهوم الزهد هو التخلي التام عن الدنيا، والتقوقع في زاوية والابتعاد عن المجتمع، والحال لاينسجم هذا المعنى والروح الاجتماعية للإسلام؛ الأمر الذي ورد النهي عنه في الروايات الإسلامية.
والحق أنّ للزهد معنى آخر وهو ترك التعلق المفرط بالدنيا وعدم الوقوع أسيراً في قبضة
[١] جلد بمعنى القوة والصلابة.
[٢] نهج البلاغة، الخطبة ١٤٥.