نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤١ - تأمّل الحكومات المستبدة
فالعبارة تفيد عدم سلامتهم فيها سوى القلة القليلة منهم، لأنّ هؤلاء الظلمة لا يدعون بقاء أحد من المؤمنين الصالحين.
ولا يكتفون بذلك بل:
«تعرككم [١] عرك الأديم [٢] وتدوسكم [٣] دوس الحصيد»
. ويفصلون أهل الإيمان منكم فيقضون عليهم كما تلتقط الطيور الحبوب القوية من الضعيفة:
«وتستخلص المؤمن من بينكم استخلاص الطير الحبّة البطينة [٤] من بين هزيل [٥] الحبّ».
في إشارة إلى أنّ ظلمهم يعم الجميع، إلّاأنّ ظلمهم وجورهم يتضاعف تجاه المؤمنين من الأفراد.
تأمّل: الحكومات المستبدة
إنّ ما اورده الإمام عليه السلام في هذه الخطبة وإن كان أخباراً عن بني أمية وحكومتهم في المستقبل، إلّاأنّه يبدو أنّ ذلك يمثل قانوناً عاماً كلياً بشأن كافة الحكومات المستبدة الجائرة، فهى تجهد من أجل ترسيخ دعائمها واعتماد المعايير اللازمة لضمان منافعها وديمومتها، والتعامل بمنتهى العنف والقوة مع من يهب لمعارضتها، فتقمع العناصر المؤمنة ولا سيما الناشطة منها، فهى لا تعرف أية قيمة لقانون أو رأفة ورحمة وإنسانية، كما لا تأبه بحقوق الناس؛ الأمر الذي نلمسه بوضوح في الحكومات المعاصرة.
[١] «تعرك» من مادة «عرك» شديد الدلك ومن هنا تطلق المعركة على ميدان القتال حيث يدك كل منها الطرف الآخر.
[٢] «الاديم» في الأصل بمعنى جلد أي شيء. ويستفاد من هذه الكلمة بشكل أكثر عند الحديث عن جلود الحيوانات.
[٣] «تدوس» من مادة «دوس» على وزن قوس.
[٤] «بطينة» من مادة «بطن» سمين.
[٥] «هزيل» ضد بطين بمعنى الضعيف وخفيف الوزن.