نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٦ - تأمّل سكرة الموت والاحتضار
منه وتدارك ما قصر فيه ولذلك قال عليه السلام:
«فهو يعض يده ندامة على ما أصحر له [١] عند
الموت من أمره، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيام عمره».
وهنا يتذكر الحساد الذين واجهوه في حياته وحاولوا الاستيلاء على أمواله وثرواته ويسلبوه ملكيتها، إلّاأنّه حال دونهم بفكره وشطارته ولم يدعهم ينيلون منها، إذ ذاك تمنى حين هجم عليه الموت ألا يكون قد أخذها، وليتها صارت من نصيب من حسده وغبطه عليها:
«ويتمنى أن الذي كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها دونه».
ثم خاض عليه السلام في تفاصيل الموت بعبارات تهز النفس وتوقظ الضمير، وكأنّه يعيش تلك الحالة ويوشك أن يودع الدنيا الفانية:
«فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالط لسانه سمعه، فصار بين أهله لاينطق بلسانه، ولايسمع بسمعه».
فأخذت الأعضاء تموت الواحد بعد الآخر ولم يبق له من لسان ناطق أو أذن سامعة:
«يردد طرفه بالنظر في وجوههم، يرى حركات ألسنتهم، ولايسمع رجع كلامهم»
أنّهم يسعون لأنّ يرتبطوا به ولكن لم يعد هنالك من سبيل.
ثم قال عليه السلام:
«ثم ازداد الموت التياطاً [٢] به، فقبض بصره كما قبض سمعه، وخرجت
الروح من جسده، فصار جيفة بين أهله، قد أو حشوا من جانبه، وتباعدوا من قربه، لا يسعد باكياً، ولا يجيب داعياً».
ثم بلغ مرحلته الأخيرة:
«ثم حملوه إلى مخط [٣] في الأرض، فأسلموه إلى عمله،
وانقطعوا عن زورته [٤]».
لقد ألفوه سنوات، كان يضحكون معه وربما لم يطيقوا بعده، أمّا الآن بعد أنّ حل الموت بساحته، فهم لم يعودوا يتحملوا الجلوس بقربه ولو لساعه، وكأنهم لم يألفوه وكانوا غرباء عنه.
تأمّل: سكرة الموت والاحتضار
ليست هناك من لحظة يتعرض فيها الإنسان لأعظم خطر طيلة حياته أبلغ وأوجع من لحظة الاحتضاره فهى.
[١] «أصحر» برز في الصحراء، أي على ما ظهر له وانكشف من أمره.
[٢] «التياط» من مادة «ليط» على وزن ليل الالتصاق.
[٣] «مخط» الحفرة وتطلق على القبر، لأنّهم بحظون ثم يحفرون.
[٤] «زوره» من مادة «الزيارة» وجاءت بهذا المعنى.