نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٨ - تأمّل العشق المقدس والهجين
فهو لاينزجر بأي زاجر ولا يكترث لأيناهى، ولايتعظ بموعظة واعظ ولا يصغي إلى نصح ناصح، والحال يرى بأم عينيه من يؤخذ بغتة لاصفح ولاعقو ولارجعة
«لا ينزجر من اللَّه بزاجر، ولا يتعظ منه بواعظ، وهو يرى المأخوذين على العزة [١] حيث لا إقالة [٢]
ولارجعة، كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون، وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون، وقدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون، فغير موصوف ما نزل بهم».
نعم فمن يرى بعينه كل يوم تقلب أحوال الدنيا وغدرها بأهلها لابدّ أنّ يكون يقظاً، يستمع إلى الوعظ والنصح وينتهى بنهي الآخرين، إلّاأنّ المؤسف له هو أنّ حب الدنيا والتكالب عليها والاغترار بزخارفها ليعمي عين الإنسان ويصم سمعه ويستحوذ على فكره بحيث لايسمح له بأن يفيق إلى نفسه.
تأمّل: العشق المقدس والهجين
لقد أشار الإمام عليه السلام بعبارة قصيرة بليغة إلى حقيقة مهمة، طالما استغرق فيها العلماء والعرفاء والشعراء والادباء.
فقد قال عليه السلام:
«من عشق شيئاً أعشى بصره، وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع باذن غير سميعة»
، وقد دفعتنا هذه العبارة لأن نتحدث عن العشق، المقدس منه الايجابي، والمستهجن السلبي. فقد قيل الكثير في العشق وعظمته وجنونه وأمراضه، ولعلها من الكلمات القل التي وردت بشأنها كل هذه التعبيرات والتعاريف المختلفة والمتناقضة. فقد سمى به بعض الكتاب إلى درجة جعلتهم يرونه بمثابة ضابط الحياة والسعادة الأبدية! أو أنّ العشق معمار عالم الوجود.
كما أنّ تحدثوا عن إعجازاته بالنسبة للإنسان حيث ينشط روح الإنسان ويملأ قلبه حيوية وحركة، بل قيل بانعدام طعم الحياة بدونه.
[١] «غرة» بمعنى الغفلة من مادة «غرور» بمعنى الخداع، حيث يستغفل هذا الخداع الإنسان ويأخذه بغتة.
[٢] «إقالة» من مادة «قيل» على وزن سيل بمعنى فسخ المعاملة، وقيل معناها الأصلي انقاذ الإنسان من السقوط، ووردت في الخطبة بمعنى العفوعن الذنوب.