نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٣ - القسم الأول الدنيا الفانية
القسم الأول: الدنيا الفانية
«أَيُّهَا النَّاسُ! انْظُرُوا إلى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا، الصَّادِفِين عَنْهَا؛ فَإِنَّهَا وَاللّهِ عَمَّا قَلِيلٍ تُزِيلُ الثَّاوِيَ السَّاكِنَ، وَتَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الآمِنَ؛ لَايَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ، وَلَا يُدْرى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فَيُنْتَظَرَ. سُرورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ، وَجَلَدُ الرِّجَالِ فِيهَا إلَى الضَّعْفِ وَالْوَهْنِ، فَلا يَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَآ يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا».
الشرح والتفسير
كما ذكرنا سابقاً فانّ الإمام عليه السلام تطرق في هذا الكلام من الخطبة إلى مسألة الزهد في الدنيا الذي يقود إلى كافة الصالحات والفضائل.
فقال عليه السلام:
«أيّها الناس! انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها، الصادفين [١] عنها»،
طبعاً لا تعني هذه العبارة أنّ الإنسان ينبغي أن يترك الدنيا ويعيش الرهبنة فيها، بل الهدف عدم فقدان النفس، وعدم الركون إلى الدنيا والاغترار بها. فقد ثبت بوضوح أنّ التعلق بالدنيا والاغترار بما لها وجاهها ولذاتها يشكل حجاباً على سمع الإنسان وبصره، فيؤدي به إلى مقارفة الذنب والمعصية.
فقد ورد في الحديث أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال:
«حب الدنيا رأس كل خطيئة» [٢].
[١] «صادف» من مادة «صدف» على وزن حرف بمعنى الأعراض عن الشيء.
[٢] روى هذا الحديث بعبارات مختلفة عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وأميرالمؤمنين والإمام الصادق وحتى الأنبياء الماضين عليهم السلام. (ميزان الحكمة ٢/ ح ٥٨١٣- ٥٨٢٣)- وفي الحديث الذي نقله الكليني في الكافي عن الإمام السجاد عليه السلام بعد شرح ودوافع الذنوب قال: «فاجتمعن كلهن في حب الدنيا». فقال الأنبياء والعلماء- بعد معرفة ذلك- «حب الدنيا رأس كل خطيئة». (اصول الكافي ٢/ ١٣١).