نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٦ - القسم الثالث عالم الآخرة
وزرع وثمار
«وجعلت فيها مأدية [١]: مشرباً ومطعماً وأزواجاً وخدماً وقصوراً وأنهاراً
وزروعاً وشماراً».
قطعاً أنّ الهدف من بيان هذه الامور هو تطهير الإنسان من الرذائل والادناس والذنوب والمعاصي وسوقه إلى القرب من اللَّه سبحانك: وقد وفرها الحق جميعا لعباده بصفتها تشجع الإنسان على الثبات في الطريق القويم ومواصلته.
ثم قال عليه السلام:
«ثم أرسلت داعياً يدعو إليها، فلا الداعي أجابوا، ولا فيما رغبت رغبوا، ولا إلى ما شوقت إليه اشتاقوا».
فهم لم يكتفوا بعدم الرغبة بتلك النعم المطهرة الخالدة، بل اقبلوا على جيفة نتنة افتضحوا بأكلها والعجيب في الأمر أن كلمتهم اتفقت على حبها:
«أقبلوا على جيفة [٢] قد افتضحوا
بأكلها، واصطلحوا على حبّها».
طبعاً مراد الإمام عليه السلام من ارسال الداعي هو بعث الأنبياء ولاسيما نبي الإسلام صلى الله عليه و آله والمراد بعدم إجابة الدعوة لاتشمل جميع الناس؛ بل الأغلبية من أهل الدنيا المفارقين للآخرة من اتباع الهوى والشهوات.
ومن هنا فقد شبههم بالحيوانات المفترسة التي تنهال على جيفة فتفضح نفسها؛ وذلك لأنّ الرائحة النتنة لتلك الجيفة تفوح من فمها ويدها.
وقوله عليه السلام:
«واصطلحوا على حبها»
لا يعني عدم وجود النزاع بين أهل الدنيا، بل هم دائماً كالحيوانات التي تجتمع حول جيفة نتنة وتهجم عليها ليتناول كل قطعة منها. والمراد أنّهم اتفقوا على حبها.
وتشبيه الدنيا بالجيفة، هو تشبيه ورد في بعض الروايات، وذلك للتعفن الكامن في باطن
[١] «المأدبة» بضم الدال وفتحها ما يصنع من الطعام للمدعوين في عرس ونحوه، والمراد هنا نعيم الجنّة، منمادة أدب التي تعني في الأصل الدعوة.
[٢] «جيفه» بمعنى الميتة، وأصلها من مادة «جَيَفَ» و «الأجيف» بمعنى الأنتن، ولذلك فان كل شيء فاسد ونتنيُشَبَهُ ب «الجيفة»، ومن هنا فقد شَبهت الخطبة أعلاه الدنيا المادية بانها «جيفة».