نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨ - القسم الرابع الحديث عن تدبيره
عالم الخليقة. فهى تقتدى أحياناً في عملها بظاهرة من ظواهر مختلفة في ما تقوم به من إبداع، و أحيانا أخرى بظواهر تركيبية و تلفيقية مختلفة بالضبط كالرسام الماهر الذي يعكس بريشته بعض الصور الرائعة والجميلة بالاستناد إلى من سبقه في الرسم والتصوير. فبالطبع لولا وجود هذه الصور والأشياء لما وسع ذلك الرسام هذا الابداع والجمال. أمّا الحق سبحانه فليس كذلك فعمله الابداع دون الاقتداء بالمثال وليس ذلك لأحد سواه. وقد مرّ علينا شبيه هذا المعنى البديع في الخطبة الاولى من نهج البلاغة بعبارته عليه السلام
«أنشأ الخلق إنشاءاً، وابتدأه إبتداءاً ...».
ثم قال عليه السلام موضحاً ما أورده أن أرانا من عجائب قدرته والآثار الحالية عن تناهي حكمته وحاجة كافة الأشياء إليه بما يدعونا تلقائيا إلى معرفته:
«وأرانا من ملكوت قدرته، وعجائب مانطقت به آثار حكمته، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قوته، ما دلنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته»
بعبارة اخرى فانّ اللَّه سبحانه قد أبان آثار قدرته في عالم الوجود وهى تجري وفقاً لنظام دقيق وقوانين معقدة تفيد أنّ الابقاء عليها يتطلب علمه وتدبيره الحكيم. فذرات الكون برمتها محتاجه إليه في خلقها وكذلك في ادامة حياتها واستمرارها، وهى تحكي بكافة تفاصيلها عن تناهي قدرته وحكمته. بما يجعل الإنسان يقر بضعفه وعجزه والاستضاءة بنور معرفته. ثم واصل الإمام عليه السلام قائلًا:
«فظهرت البدائع التي أحدثتها آثار صنعته وأعلام حكمته، فصار كل ما خلق حجة له، ودليلًا عليه؛ إن كان خلقاً صامتاً، فحجته بالتدبير ناطقة، ودلالته على المبدع قائمة» [١]
نعم فقد غصت أرجاء العالم بعلمه وقدرته وشع نور التوحيد من جبين كافة مخلوقاته وكائناته سبحانه. كما عطر فضاء العالم بحمده وتسبيحه «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَ نَّهُ الحَقُّ» [٢].
وهو المعنى الذي عبر عنه أبوالعتا هية حين أنشد قائلًا: [٣]
|
فيا عجبا كيف يعصى الاله |
أم كيف يجحده الجاحد |
|
|
وفي كل شي له آية |
تدل على أنه واحد |