نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٧ - القسم الثالث عالم الآخرة
الدنيا التي تختزن أنواع الظلم والذنب، أو لأنّ أصحاب الدنيا يهبون للتنازع والاقتتال بهدف سلبها من بعضهم البعض الآخر.
ثم بيّن الإمام عليه السلام نتيجة هذا الحب للدنيا بشكل قاعدة كلية وعامة وهى:
«ومن عشق [١]
شيئاً أعشى [٢] بصره، وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع باذن غير
سميعة».
فقد ركز الإمام عليه السلام على نقطة يكشف فيها عن حقيقة وهى أنّ حب الدنيا وعشق زخرفها وزبرجها وزينتها المادية إنّما يسلب الإنسان اصدار الأحكام بصورة صحيحة، بحيث يحسب أنّ سعادته وموفقيته إنّما تتمثل بالوصول إلى هذه الدنيا المادية، مهما كان وكيفما كان الطريق المؤدي اليها.
ومن الطبيعي أن يتعذر على مثل هذا الفرد تشخيص الحق من الباطل والمصالح من المفاسد. فهو ينطلق بشكل جنوني نحو لذات الدنيا، فاذا أفاق رأى نفسه وقد فقد كل شيء.
وسنتحدث في البحث القادم ان شاء اللَّه عن حقيقة العشق وآثاره.
وتختتم هذا البحث بالحديث النبوي الشريف:
«من جعل الدنيا أكبر همه، فرق اللَّه عليه همه، وجعل فقره بين عينيه» [٣].
ثم قال عليه السلام:
«قد خرقت الشهوات عقله، وأماتت الدنيا قلبه، وولهت عليها نفسه».
فقد شبه الإمام عليه السلام العقل في العبارة الاولى بالثوب، الذي يمكنه أن يحفظ الإنسان ويكون له زينة، أمّا الشهوة فهى تمزق ثوب العقل الجميل. وفي العبارة الثانية وصف غلبة الشهوات على العقل بأنّه موت للعقل. كما أشار عليه السلام في العبارة الثالثة إلى أنّ حب الدنيا والرغبة فيها قد أحاط بجميع كيان أهل الدنيا وطلابها.
وعليه فمثل هذا الإنسان عبد للدنيا، ولمن في يده شيء من حطامها:
«فهو عبد لها، ولمن يده شيء منها، حيثما زالت زال إليها، وحيثما أقبلت أقبل عليها».
[١] «عَشَقَ» من مادة «عشق» على وزن فكر بمعنى العلاقة الشديدة بالشيء.
و «عشقه» على وزن ثمرة بمعنى الشجرة الخضراء اليانعة، والتي لا يمر عليها الا وقت قصير فتصبح صفراء وذابلة.
وبعضهم قال: ان العشق أشتق في الأصل من هذه المادة، وذلك لان العاشق يصبح نحيفاً ذابلًا.
[٢] «أعشى» من مادة «عشو» على وزن «خشم» بمعنى ضعف النظر و عدم قدرة العين على الابصار بصورةجيدة، و تأتي أحيانا بمعنى العمى الليلي أو العشو ليلًا.
[٣] شرح نهج البلاغة لابن ميثم ٣/ ٦٣.