نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٩ - تأمّل العشق المقدس والهجين
وبالمقابل فهناك طائفة من الكتاب والفلاسفة الذين صعدوا من حملاتهم واتهاماتهم للعشق ليصوره كمرض مقيت يدعو إلى التقزز. فقد قال أحد الكتاب المعروفين: علينا أن نرى العشق عبارة عن عصارة الأدمغة الخاوية إن لم نقل بأنّه نوع من الجنون.
وقال كاتب آخر: أنّ العشق كمرض السرطان والنقرس الذي ينبغي أنّ يفر منه الإنسان العاقل.
فالتفسيرات المتناقضة للعشق تشير إلى أنّ العلماء والمفكرين لم يتحدثوا جميعاً عن شيء واحد. فهناك من تكلم عن العشق المقدس الذي يضفي القدسية والطهارة على الإنسان، ويشده بقوته الفائقة نحو معشوقه الحقيقي خالق الوجود.
أمّا من ذمه منهم فانما قصد به ذلك العشق المادي والمفعم بالخطايا والرذائل والجنايات الذي يفضي غالباً إلى المرض والفضيحة والشقاء.
فالإنسان في العشق المادي يقبل بجنون على الشيء الذي يتعلق به ويعشقه، ويضحي بكل مالديه من أجله. فالمراد بهذا العشق هو تلك القوة السحرية التي تقود الإنسان إلى المعصية والذنب والخطيئة، وكل ما قيل في ذمه فهو قليل.
فهذه القوة الطاغية تخرب العقل وتشل حركته وفاعليته بحيث يقدم الإنسان على الأعمال الجنونية الطائشة.
وتتمثل اولى مخاطر ذلك بتعظيمه العيوب والقبائح. فمثل هؤلاء العشاق يبتكرون أنواع التفاسير المذهلة لأقبح العيوب.
فهم لايقبلون النصح ولا يصغون إلى الوعظ، بل يهبون أحياناً للوقوف بشدة بوجه الناصحين والوعاظ.
والغريب في الأمر أنّ الأشخاص الذين يعيشون مثل هذا العشق المادي الجنوني يشعرون أنّهم بلغوا إدراكاً حرم منه معظم الآخرين.
فهم يعيشون في هالة من الأوهام والخيالات ولايفهمون سوى لغة العشق الطائش، فلا يفهمون لسان العلم والمنطق الذي يحدثهم به الآخرون.
وبالطبع فان جذبة هذا العشق غالباً ما تطفىء بالمجامعة!