نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٠ - القسم الثالث فتنة ضليل الشام
ثم خاض في توضيح هذه الفاجعة الكبرى:
«فاذا فغرت [١] فاغرته، واشتدت شكيمته [٢]
وثقلت في الأرض وطأته، عضت الفتنة أبناءها بانيابها، وماجت الحرب بامواجها، وبدا من الايام كلوحها [٣]، ومن الليالي كدوحها [٤]».
هناك قولان رئيسيان لشرّاح نهج البلاغة في المراد بالضليل في عبارة الإمام عليه السلام:
الأول: أن يكون المراد به معاوية الذي أحكم قبضته على العراق بعد شهادة أميرالمومنين علي عليه السلام وصلحه مع الإمام الحسن عليه السلام، وقد نفذ كل ماورد في العبارة عملياً، والثاني: أن يكون المراد به عبدالملك بن مروان الذي سلط ذلك المجرم المعروف الحجاج على الكوفة فسام الناس سوء العذاب وجرعهم أنواع الظلم، ومهما كان فالعبارة إشارة إلى الطغاة من حكام بنى أمية.
والعبارة
: «عضت الفتنة أبناءها بأنيابها»
إشارة إلى أن هذه الفتن ستطيل حتى أولئك الذين يثيرونها! فعادة ماتعصف بهم الاختلافات الداخلية، أو أن يتسلط عليهم أعداؤهم فيذيقونهم أشد العذاب.
ثم قال عليه السلام
: «فاذا أينع زرعه وقام على ينعه [٥]، وهدرت شقاشقه [٦]، وبرقت بوارقه،
عقدت رايات الفتن المعضلة، وأقبلن كالليل المظلم، والبحر الملتطم».
في إشارة إلى أنّ حكومة هؤلاء لن تدوم، كما لن يلتذ هؤلاء الضلال الظلمة بفتنهم، وسرعان ما تحيط بهم رايات المخالفين.
ويمكن أن تكون هذه العبارة إشارة إلى قيام بني العباس ضد بني أمية.
ثم اختتم عليه السلام الخطبة بالقول:
«هذا، وكم يخرق الكوفة من قاصف، ويمرعليها من
[١] «فغرت» من مادة «فغر» على وزن فقر فتح الضم.
[٢] «شكيمة» تعني في الاصل الحديدة المعترضة في اللجام في فم الدابة، ويعبر بقوتها عن شدة البأس، ثم اطلقت على كل قوة.
[٣] «كلوح» عبوس.
[٤] «كدوح» شدة السعي والجهد، وتعني في الأصل الخدش وأثر الجراحات.
[٥] «ينع» بمعنى نضج الفاكهة، ثم اطلق على كل نضج واستعداد لتلقي نتيجة.
[٦] «شفاشق» جمع «شقشقة» شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج.