نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٣ - القسم الثاني عبودية الملائكة
أضف إلى ذلك فهى لا تموت ولا تتغير بسبب الزمان، ولا تمرض ولا تشيب وتعجز.
فوجود هذه المميزات وإن كانت من علامات شرف خلقة الملائكة، وأنّ الإنسان لاشك هو أسمى مقاماً منها من هذه الناحية. إلّاأنّ سبب عظمة الإنسان وأفضليته على الملائكة إنّما تعود إلى روحه التي أشارت إليها الآية الشريفة: «نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» [١].
ومن هنا سجد الملائكة كلهم أجمعون لآدم عليه السلام.
أمّا هدف بيان الإمام عليه السلام لكل هذه الصفات ما أراد ذكره في العبارات اللاحقة
«وأنّهم على مكانهم منك، ومنزلتهم عندك، واستجماع أهوائهم فيك، وكثرة طاعتهم لك، وقلّة غفلتهم عن أمرك، لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك لحقروا أعمالهم، ولزروا [٢] على أنفسهم،
ولعرفوا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك، ولم يطيعوك حق طاعتك».
نعم فالملائكة ورغم تلك المعرفة والمقام الشامخ، فهى قاصرة عن معرفة عظمته ودائرة صفاته في الجمال والجلال، وعليه فلو فرض تعرفها على اللَّه كما هو، لأكتشفوا أنّهم لم يعبدوه كما هو أهله ولم يطيعوه كما يستحقه. وكل ما أدوه ذرة لاقيمة لها ولاوزن.
فالعبارة تفيد من جانب أنّ معرفة الإنسان باللَّه كلما تسامت، تضاعفت عبادته وطاعته للَّه. كما تفيد من جانب آخر أنّ أحداً لم يعبد اللَّه حق عبادته، كما أنّ أحداً لم يعرف اللَّه حق معرفته، وذلك لأنّ الإنسان والملك- حتى أعظم الناس والملائكة- إنّما هو وجود محدود، والذات الإلهية ليست محدودة، فليس لهذا المحدود أن يؤدي حق عبادة اللَّه ولاطاعته ولامعرفته. أمّا التعبير بالأهواء جمع هوى في العبارة
«واستجماع أهوائهم فيك»
فلا تعني هوى النفس وشططها، بل تعني الحب والرغبة، لانّ لهذا اللفظ معنيان. وبعبارة اخرى يستعمل أحياناً في الحب الإيجابي واخرى في السلبي. والمراد بالعبارة أنّ الملائكة ركزت حبّها وعشقها في اللَّه سبحانه والعبارة
«قلة غفلتهم عن أمرك»
تفيد امكانية غفلة الملائكة، إلّاأنّها طفيفة جداً. وشاهد ذلك الروايات الواردة في بعضى الملائكة في ترك الاولى. وعليه فلا حاجة لذلك التكلف الذي صرح به بعض شرّاح نهج البلاغة من أنّ القلة هنا تعني العدم.
[١] سورة الحجر/ ٢٩.
[٢] «زروا» من مادة «زرى» على وزن سعى العيب والتوبيخ واللوم، والازراء بهذا المعنى أيضاً.