نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٧ - القسم الثالث تضييع النعم
فأقامها فرماها، فخرق الحديد حتى عبر النصل إلى جانبها الآخر، ثم قال: انظر الآن، ثم رمى بعض العرب المارين عليه عشرين سهما لم يصبه ولا فرسه منها بسهم واحد؛ وأنّه لقريب منه غير بعيد. ولقد كان بعض السهام يسقط بين يدي الاسوار، فقال له بالفارسية: أعلمت أنّ القوم مصنوع لهم! قال: نعم. [١]
ثم أشار عليه السلام في القسم الأخير من هذا الموضع من الخطبة إلى جحد الناس لتلك النعم والقدرة، فقال عليه السلام رغم كل ذلك لاتهتز لكم قصبة وأنتم ترون كل هذه الانتها كات ونقض العهود والقوانين والأحكام الإلهية! في حين تشتاطون غضباً فيما إذا نقضت ذمم آبائكم:
«وقد ترون عهود اللَّه منقوضة فلا تغضبون! وأنتم لنقض ذمم آبائكم تأنفون [٢]».
أي لو نقضت سنة قبلية أو طائفية كانت شائعة بينهم لارتفعت أصواتهم، في حين ينتهك بني أمية السنن الإلهية بمرأى ومسمع منهم دون أن ينبسوا ببنت شفة، وهذا قمة جحود النعم الإلهية.
ثم قال عليه السلام:
«وكانت امور اللَّه عليكم ترد، وعنكم تصدر، وإليكم ترجع، فمكنتم الظلمة من منزلتكم، وألقيتم إليهم أزمتكم، وأسلمتم امور اللَّه في أيديهم».
وهذا جحود آخر، فبعد كل تلك القوة والقدرة- بحيث كان كل شيء بأيديهم وتابع لارادتهم- أخلوا الساحة للظلمة ودعوهم يجلسون على منبر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ويتحكموا بأمور المسلمين.
ثم قال عليه السلام في وصف هؤلاء:
«يعملون بالشبهات، ويسيرون في الشهوات».
نعم فقد فوضت الامور على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله إلى الصالحين فكانوا يعملون على ضوء التعاليم الإسلامية، إلّاأنّ الغفلة والضعف وجحود النعم أدى لأنّ يتزعم الامور تلك الثلة من سليلي الجاهلية وبقايا أهل الشرك والعصبية، حيث تربع ابن أبي سفيان- أعدى أعداء الإسلام- على عرش الحكومة الإسلامية فقلب امور الإسلام رأساً على عقب.
ذهب بعضى شرّاح نهج البلاغة إلى المراد بالعبارة ١١:
«وكانت امور اللَّه عليكم ترد ...»
[١] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٧/ ١٧٧.
[٢] «تأنفون» من مادة «أنف» على وزن شرف بمعنى الحمية و الغضب و العِزّة.