نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٦ - دعوني والتمسوا غيري
ولايمكن توقعه فضلًا عن تحققه على الواقع العملي.
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بالحديث عن الآفاق المظلمة التي تلوح في الآفاق وعدم التعرف على الحق وصراطه المستقيم في ظل هذه الأوضاع المضطربة:
«وإن الافاق قد أغامت [١]،
والمحجة [٢] قد تنكرت»
، وذلك لأنّ الأهواء الشيطانية والاطماع الدنيوية قد قلبت الموازين الفكرية للمجتمع بحيث يصعب عليه تمييز الصحيح من السقيم، وكيف يتخلص من المطبات التي تواجهه في حياته.
ثم أكد الإمام عليه السلام هذا الموضوع بأنّي إذا تقلدت هذه المسؤولية فسوف لن أنتهج السياسة الخاطئة التي كانت سائدة سابقاً، بل سأقتدي بهدي رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في بسط الحق والعدل:
«اعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب [٣] العاتب»
- حيث لم يكن الطمع الذي عاشه الناس على عهد عثمان يدعهم يتساوون مع الآخرين فكانوا يهربون من عدالة علي عليه السلام و يثيرون الفتن- فلم يكن أمام الإمام عليه السلام من سبيل سوى مخالفة الشرع و مواصلة الظلم أو السيرفيهم بالعدل الذي نشده من قام ضد عثمان، فلما سار بهم بعدله حدثت تلك الفتن التي توقعها الإمام عليه السلام. [٤]
في إشارة إلى أنّ الإمام عليه السلام كان يعلم بأنّ طلاب الدنيا من أهل المطامع والمصالح سيقفون حجرة عثرة في طريقه من أجل اشاعة الحق وإجراء العدل وبسط القسط، وسيؤلبون الآخرين عليه ويهبوا لمعارضته والوقوف بوجهه، وكأنّ المبادي السياسة لتلك المرحلة كانت تتطلب مواصلة الفوضى التي كانت سائدة والتطاول على بيت المال واغداق المناصب والمهام على أصحاب النفوذ والسطوة دون أي إستحقاق، وإن إنعكس ذلك سلباً على الامّة وهضمها حقوقها؛ الأمر الذي كان في مقدمة أهداف الأنبياء والرسل القضاء عليه: «لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا
[١] «أغامت» من مادة «غيم» غطيت بالغيم، كناية عن اضطراب الأوضاع السياسية والاجتماعية للمسلمين فيذلك الزمان.
[٢] «محجة» الطريق المستقيمة والواضحة سواء الظاهرية أم المعنوية، وقد اقتبست في الأصل من مادة «حج» بمعنى القصد، لأنّ الإنسان يقصد دائما المشي على الطريق المستقيم ليصل إلى الهدف.
[٣] «عتب» مصدر بمعنى اللوم و التأنيب و التوبيخ.
[٤] شرح نهجالبلاغة للشيخ محمد عبده، ذيل الخطبة ٩٢/ ٢٣٣.