نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠ - القسم الأول جوده لا ينضب
صفاته سبحانه التي تشير إلى مباينتها لصفات كافة مخلوقاته. فقد قال عليه السلام بادئ ذى بدء:
«الحمداللَّه الذي لا يفره [١] المنع والجمود، ولا يكديه [٢] الاعطاء والجود».
ثم خاض عليه السلام في الدليل على ذلك قائلًا:
«إذ كل معط منتقص سواه، وكل مانع مذموم ما خلاه».
نعلم جميعاً أنّ أحد الأركان الأصلية لمعرفة صفات اللَّه سبحانه وتعالى يكمن في الاعتقاد بأنّه وجود مطلق من جميع الجهات وليست هناك من حدود لذاته المقدسة وصفاته. فمن الطبيعي أنّ اللامحدود يبقى كذلك مهما أخذ منه؛ أي ليس للنقصان والقلة من سبيل إليه. وعلى هذا الضوء فلو وهب كل إنسان عالماً من المادة، لما نفدت خزائن نعمه. ولهذا أيضاً إذا منع أحد شيئاً فلا يذم عليه. لتعذر تصور البخل على الذات المطلقة. فليس هنالك من سبيل سوى إسناد المنع إلى الحكمة والمصلحة. بعبارة اخرى فانّ عطائه ومنعه يتوقف على الاستعداد والاستحقاق والأهلية، وعليه ينقطع كل كلام ويخرس كل لسان عن الخوض في هذا الموضوع. جاء في الحديث القدسى:
«يا عبادي لو أنّ أولكم وآخركم وانسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك ممّا عندى شيئاً إلّاكما ينقص المخيط إذا دخل البحر» [٣]
، فمن الطبيعي أن لا يعلق شي من الماء بالابرة إذا ما القيت فيه سوى بمقدار الرطوبة العالقة بها. وهذا أروع مثال لأدنى نقص يطيل أعظم مصدر ومنبع للماء. فالمثال صورة واضحة لعدم تناهى الخزائن الإلهية التي لا تزيدها كثرة العطاء إلّازيادة. كما ورد في حديث قدسي آخر:
«إن من عبادي من لا يصلحه إلّاالفاقة، ولو أغنيته لأفسده ذلك» [٤]
، ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه عن سائر صفاته سبحانه ذات الصلة بجوده وكرمه وعطائه فقال:
«وهو المنان بفوائد النعم، وعوائد المزيد والقسم»
فالالتفات إلى النعم الإلهية على أساس أنّ وجدان الإنسان يوجب عليه شكر هذه النعم ويشده إلى الحق سبحانه، نرى الإمام عليه السلام يطرق بادىء الأمر هذا المعنى ليعد القلوب لما سيرد عليها من حقائق. والتعبير
«منان»
من مادة من بمعنى كثير العطاء. أمّا فوائد النعم فتنطوى على مفهوم واسع يشمل كافة النعم المادية
[١] «يفره» من مادة «وفور» بمعنى الكثرة والزيادة.
[٢] «يكديه» من مادة «كدى» على وزن كسب بمعنى البخل، وهى هنا بمعنى يفقره وينفد خزائنه.
[٣] منهاج البراعة ٦/ ٢٨٨.
[٤] بحار الانوار ٦٨/ ١٤٠ ح ٣١.