نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٥ - تأمّل سعة قاعدة اللطف في التكوين والتشريع
يَهْتَدُونَ» [١]
، وقال: «وَمِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ» [٢].
تأمّل: سعة قاعدة اللطف في التكوين والتشريع
جرت عادة أهل التدبير والحكمة على توفير كافة المقدمات والأسباب التي توصل إلى الهدف، ويتجلى هذا الأمر بأعظم أبعاده في الخالق الحكيم سواء في عالم التشريع والتكليف، أم في عالم العينيات والواقعيات، فقد أعد كافة الشرائط ومهد جميع السبل في عالم التكليف من أجل الطاعة، حيث زود الإنسان بالعقل والذكاء والفطرة السليمة وانزل الكتب السماوية وبعث الرسل والأنبياء ليتسنى للعباد اتخاذ سبيل الطاعة؛ الأمر الذي اصطلح عليه باللطف في علم الكلام. وفي عالم الخلق فانّ الله سبحانه أعد كافة وسائل الحياة قبل أن يضع الإنسان قدمه على هذا العالم، فقد أقر سطح الأرض وحال دون حركاتها الطائشة بواسطة الجبال، وشق فيها الآبار والأنهار التي تعتبر مادة الحياة، وسخر السحب لري المرتفعات، كما خلق مختلف النباتات التي يتغذى عليها الناس والحيوانات كما أوجد الجواد وسط الجبال لعبور الناس ومشيهم، وسهل للناس روابطهم الاجتماعية، بل منح أرواحهم السكينة والهدوء بما زين به الطبيعة من ورود وأزهار. نعم هذا هو معنى الحكمة والتدبير والربوبية الذي أشار إليه أميرالمؤمنين علي عليه السلام في هذا الموضع من الخطبة، والذي يعرف الإنسان بعلم الله وقدرته وحكمته من جانب، كما تثير لديه حس الشكر- مادة الطاعة والعبودية-، وهوالأمر الذي ورد كراراً في القرآن ومن ذلك في سورة النحل بعد ذكره لخلق السموات والأرض والانعام ونزول الأمطار من السماء و خروج الاشجار و نمو الزرع و أنواع الثمار و الفاكهة و حركة الشمس و القمر و خلق البحار على أنها من نعمه التي لاتعد و لا تحصى. حيث قال: «وَأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ أَنْهاراً وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ* وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ» [٣].
[١] سورة الأنبياء/ ٣١.
[٢] سورة فاطر/ ٢٧.
[٣] سورة النحل/ ١٦- ١٥.