نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢ - القسم الأول جوده لا ينضب
فذلك لأنّ الداعي إذا أعد في نفسه شرائط الدعاء إنّما يكون قد وسع دائرة استحقاقه واستعداده؛ فالدعاء الصحيح يسوق الإنسان إلى التوبة والإنابة وإصلاح الذات وذكر اللَّه، وكل من هذه المعانى يسهم بقدر في اتساع حجم الاستحقاق.
قال ابن أبي الحديد في تفسيره للعبارة:
«وليس بما سئل بأجود ...»
فيه معنى لطيف، وذلك لأنّ هذاالمعنى ممّا يختص بالبشر:
«لأنهم يتحركون بالسؤال وتهزهم الطلبات، فيكونون بما سألهم السائل أجود منهم بما لم يسألهم إياه. وأمّا البارئ سبحانه فانّ جوده ليس على هذا المنهاج، لأنّ جوده عام في جميع الأحوال» [١].
أضف إلى ذلك فانّ الناس وإثر نقصهم وحاجتهم إنّما يشحون في العطاء بما هم إليه أحوج من سائر الأشياء التي لا حاجة لهم فيها؛ الأمر الذي ليس به من سبيل إلى الذات الإلهية المطلقة المنزهة عن كل نقص وحاجة. ثم انتقل الإمام عليه السلام إلى بيان أربع صفات من صفات الذات فقال:
«الأول الذي لم يكن له قبل فيكون شي قبله، والآخر الذي ليس له بعد فيكون شي بعده».
فالمفروغ منه هو أنّ الأساس في معرفة ذات وصفات اللَّه يكمن في كونه مطلقاً سبحانه لايعرف القيود والحدود واللامتناهي، و هو الكمال المطلق والوجود الدائم من جميع الجهات، فهو كائن ويكون إلى أبد الأبدين.
فالأول في عالم الممكنات يقال للشيء بالنسبة لمايليه، وفي نفس الوقت لما سبقه بعض الأشياء لأنّ البداية والنهاية في الممكنات أمر نسبي؛ وتنفرد الذات الإلهية المطلقة بعدم وجود شي قبلها ولا بعدها. ومن البديهي على هذا الاساس أنّ أوليته وآخريته لا تعني الأول الزماني ولا الآخر الزماني و ذلك لأن الزمان يأتي من حركة الموجودات حيث أن الزمان يمثل مقدار الحركة؛ فلا يطلق عليه البعدية والقبلية كما يطلق على الزمانيات؛ وإنّما لم يكن وجوده زمانياً لأنّه لا يقبل الحركة، والزمان من لواحق الحركة، وإنّما لم تطلق عليه البعدية والقبلية إذا لم يكن زمانياً؛ والحركة إمّا نحو الكمال أو النقصان. ونعلم أنّه كمال مطلق لا يشوبه أي نقص. ثم قال عليه السلام في الصفة الثالثة:
«والرادع أناسى [٢] الأبصار عن أن تناله أو تدركه»
فلا العين
[١] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦/ ٤٠٠.
[٢] «اناسى» جمع «إنسان» و يطلق على أفراد بني الإنسان كما يطلق هذا اللفظ على بؤبؤ العين، لانعكاسصورة الأفراد فيها.