نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧ - القسم الرابع الحديث عن تدبيره
القسم الرابع: الحديث عن تدبيره
«الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثالٍ امْتَثَلَهُ وَلا مِقْدارٍ احْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خالِقٍ مَعْبُودٍ كانَ قَبْلَهُ وَأَرانا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ وَعَجائِبِ ما نَطَقَتْ بِهِ آثارُ حِكْمَتِهِ وَاعْتِرافِ الْحاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَها بِمِساكِ قُوَّتِهِ ما دَلَّنا بِاضْطِرارِ قِيامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ فَظَهَرَتِ الْبَدائِعُ الَّتي أَحْدَثَتْها آثارُ صَنْعَتِهِ وَأَعْلامُ حِكْمَتِهِ فَصارَ كُلُّ ما خَلَقَ حُجَّةً لَهُ وَدَلِيلًا عَلَيْهِ وَإِنْ كانَ خَلْقاً صامِتاً فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ ناطِقَةٌ وَدَلالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قائِمَةٌ».
الشرح والتفسير
جرى حديث الإمام عليه السلام سابقاً عن التحذير في التعمق في كنه الذات والصفات، وذلك لتعذر إدراكها على العقل البشرى مهما كانت إمكاناته. فواصل هنا الكلام وبغية عدم تصور غلق باب معرفة اللَّه فتطرق عليه السلام على نحو الإجمال إلى طرق معرفة ذاته وصفاته ليكشف عن حقيقة فحواها سمو هذه الذات وغناها المطلق عن الحدود. فهو الذي أفاض الوجود على المعدومات دون الاحتذاء بمثال سابق، أو الاستمداد من خالق آخر
«الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ولا مقدار احتذى عليه، من خالق معبود كان قبله».
فالعبارات إشارة إلى أزليه ذاته المقدسة سبحانه من جانب، ومن جانب آخر أنّ مخلوقاته قد وجدت دون تجربة وسابقة؛ فهو خلق جديد وتام بكل معنى الكلمة.
وتعتبر مسألة
«الابداع»
(الخلق دون تجربة) من المسائل المهمّة. حيث تتضح هذه الأهمية من خلال العلم بانّ كافة الابداعات والاختراعات البشرية إنّما تستند لما قبلها من الأمثلة في