نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٢ - القسم الخامس عشر خصائص الملائكة
حلاوة معرفته، وشربوا بالكأس الروية [١] من محبته، وتمكنت من سويداء [٢] قلوبهم
وشيجة [٣] خيفته»
تفيد العبارة:
«قد ذاقوا حلاوة معرفته، وشربوا بالكأس الروية من
محبته»
أنّ الملائكة قد إنفتحت على معرفة اللَّه وحبّه بكل كيانها حتى نفذ إلى سويداء قلوبها، كما تفيد مفردة تمكنت أنّ خوف اللَّه قد تجذر في أعماق قلوبها بحيث وظّف هذا الخوف والرجاء كل قواها في سبيل طاعة اللَّه؛ وذلك لأنّ الحب والأمل دون الخوف يسوق الإنسان إلى الغفلة والغرور، كما أن الخوف دون الحب والأمل يقوده إلى اليأس والقنوط. من هنا قال الإمام عليه السلام عقب تلك الصفات:
«فحنوا [٤] بطول الطاعة اعتدال ظهورهم»
فهم دائما على أتم الخضوع وكمال التسليم للَّه. مع ذلك فان رغبتهم المتفاقمة في عبادته وكثرتها لم تسلبهم حالة التضرع والخشوع (فلم يتطرق اليها التعب والارهاق)
«ولم ينفذ طول الرغبة إليه مادة تضرعهم»
لا كالأفراد من عديمي المعرفة الخالين من معاني الحب والعشق والخوف والرجاء الذين تتعبهم أدنى عبادة وتسلبهم الرغبة والاقبال عليها. ثم أشار عليه السلام إلى نقطة مهمّة اخرى
: «ولا أطلق عنهم عظيم الزلفة [٥] ربق [٦] خشوعهم، ولم يتولهم الاعجاب فيستكثروا ما سلف منهم ولا
تركت لهم استكانة [٧] الاجلال نصيبا في تعظيم حسناتهم»
، فهناك نقطة لطيفة كامنة في هذه العبارة أشار إليها بعض شرّاح نهج البلاغة وهى أنّ من يقترب من الملوك والسلاطين والشخصيات التي تبدو رفيعة وعظيمة سرعان ما يكتشف أن قدرتهم و شوكتهم قاصرة زائلة مهما بدت كبيرة، وبامكان مقربيهم أن يبلغوا هذه القدرة يوماً ما، بل حتى أعظم منها.
وهذا ما يؤدي بدوره إلى الحد من تواضع الآخرين وخضوعهم وطاعتهم لهم، فانّ اضطروا إلى تعظيمهم ظاهراً، لم يروا لهم مثل هذه العظمة باطناً. أمّا الملائكة فعلى العكس كلما اقتربت
[١] «روية» من مادة «ري» على وزن طي التي تروى منه العطش، وكأس روية كناية عن الظرف المملوة الذييروي العطشان بصورة تامة.
[٢] «سويداء» تصغير «سوداء» من السواد، و هى حبة صغيرة في القلب تشكل مركزه حب اعتقاد القدماء.
[٣] «وشيجة» من مادة «وشج» أصلها عرق الشجرة وإراد بها هنا بواعث الخوف من اللَّه.
[٤] «حنو» من مادة «حنو» على وزن حذف بمعنى الالتواء والانحناء.
[٥] «زلفة» من مادة «زلف» على وزن ضعف بمعنى القربى، و «زلفه» و «زلفى» بمعنى المقام والمنزلة والقرب.
[٦] «ربق» جمع «ربقه» حبل فيه عدة عرى تربط فيه البهم، ثم اطلقت على الرابطة المحكمة بين شىء وأخر، وقد وردت هنا بهذا المعنى.
[٧] «إستكانة» من مادة «سكون» تأتي بمعنى الخضوع والتواضع في هذه الموارد. قيل من باب إفتعال من مادةسكون، وقيل من باب استفعال من مادة كون وهى أيضاً بمعنى السكون في مكان مع الخضوع والخشوع.