نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٤ - القسم الثاني زوال حكومة بنى أمية
ثم حذر بني أمية قائلًا:
«فاقسم بالله، يا بني أمية، عما قليل لتعرفنها في أيدي غيركم وفي دار عدوكم».
إيّاكم والظن بأنّكم أن سفكتم دماء الأبرياء ولم ترحموا صغيراً وتوقروا كبيراً، ورسختم دعائم حكومتكم على الظلم والعدوان ونهب الأموال وقتل الناس، فانّ هذه الحكومة دائمة لكم! فسرعان ما ينهض لكم الأعداء ويسددوا لكم ضرباتهم الماحقة حتى يطيحوا بحكومتكم ويقضوا عليكم، بل سوف لن يرحموا حتى موتاكم، فسيخرجونهم من قبورهم ويحرقون أجسادهم.
ويشير التأريخ إلى تحقق كل ما أخبر به الإمام عليه السلام، وقد مر شرح ذلك في الخطبة ٨٧. [١]
ثم إختتم الكلام بقوله عليه السلام:
«ألا إنّ أبصر الأبصار ما نفذ في الخبر طرفه! ألا إنّ أسمع الاسماع ما وعى التذكير وقبله».
أي إن كان لكم بصر وسمع مفتوح، لم تعد عليكم من صعوبة في الظفر بسبيل الخير والسعادة، غير أنّه لمن المؤسف أن أهوائكم النفسية وطغيانكم قد غطى أبصاركم وأسماعكم بالحجب، بحيث لايسعكم رؤية الحق ولاسماع المواعظ.
جدير ذكره سئل بعض شيوخ بني أمية عقيب زوال الملك عنهم:
ما كان سبب زوال ملككم؟ فقال: جار عمالنا على رعيتنا، فتمنوا الراحة منا، وتحومل على أهل خراجنا فجلوا عنا، وخربت ضياعنا فخلت بيوت أموالنا، ووثقنا بوزرائنا فآثروا مرافقهم على منافعنا، وأمضوا أموراً دوننا، أخفوا علمها عنا، وتأخر عطاء جندنا فزالت طاعتهم عنا، واستدعاهم عدونا فظافروه على حربنا، وطلبنا أعداءنا فعجزنا عنهم لقلة أنصارنا، وكان استتار الأخبار عنّا من أوكد أسباب زوال ملكنا. [٢]
ونرى هنا يوضوح عمق ما أخبر به الإمام عليه السلام في هذه الخطبة.
[١] المجلد الثالث من هذا الكتاب في الخطبة ٨٧؛ ج ٤ الخطبة ٩٣.
[٢] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٧/ ١٣٦.