نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٦ - القسم الرابع علامات آخر الزمان
طبعاً من البديهي في الظروف التي يعم فيها الفساد المجتمع، ويكون زعماء المجتمع وقادته من الفسدة والمنحرفين، ألا يكون الأفراد المؤمنين من الشخصيات المعروفة في المجتمع، لأنّهم سيكونون فريسة للجبابرة الذين لن يتركوهم وشأنهم أبداً؛ فأما أن يتسلموا ويكونوا عوناً لهم، وامّا ان يقاوموا ويمتنعوا وفي هذه الحالة ليس لهم سوى الحديد والنار.
وبناءاً على هذا يتوجب على الأفراد المؤمنين في ظل هذه الظروف أن يختفوا عن الأضواء ويعيشوا بعيداً عن الشهرة والمعرفة، كي لا يكون هناك من يتعقبهم ويبحث عنهم.
وبالطبع فان هذه المجهولية لن تحط من قدرهم وتقلل من مكانتهم، وأنّهم لن يتخلوا عن دورهم المعنوي في المجتمع، ومن هنا وصفهم الإمام عليه السلام بقوله:
«أولئك مصابيح الهدى، وأعلام السرى» [١].
فهم صامتون خاملون، إلّاأنّهم قدوة للاخرين، فهم مصابيح هدى كتلك العلامات التي تنصب على الطريق لكي لا يضل السائر فيه ليلًا.
ثم قال عليه السلام في وصف هذه الطائفة من المؤمنين:
«ليسوا بالمساييح، ولا المذاييع البذر».
قال المرحوم السيد الرضي المساييح جمع مسياح وهو الذي إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها، والبذر جمع بذور وهو الذي يكثر سفهه ويلغو منطقه.
وعليه فمعنى العبارة هو أنّ هذه الطائفة من المؤمنين ليست بمفسدة ولا مثيرة للفتنة وليست سفيهة تشيع الفاحشة.
ثم قال:
«أولئك يفتح الله لهم أبواب رحمته، ويكشف عنهم ضراء نقمته»
. فالعبارة تفيد أنّ الله سبحانه وتعالى لم يسلب الطائفة المؤمنة الحقة عنصر هدايتها في تلك الظروف العصيبة، وهو حافظهم من شر الظلمة ومكاره ذلك الزمان وحوادثه.
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بنبوءة صريحة وتوضيح أكثر لذلك الزمان، فقال عليه السلام:
«أيها الناس! سيأتي عليكم زماناً يكفا [٢] فيه الإسلام، كما يكفأ الاناء بما فيه».
فالعبارة
«يكفأ فيه الإسلام»
كناية لطيفة عن انقلاب كافة المفاهيم الإسلامية رأساً على
[١] «السرى» تعني السير في الليل.
[٢] «يكفأ» من مادة «كفأ» على وزن نفع بمعنى الانقلاب.