نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٥ - القسم السادس احذروا المستقبل المشؤوم
فالعبارة كناية عن بيان الحقائق والواقعيات واظهار باطن الامور، والعبارة:
«قرفه قرف الصمغة [١]»
إشارة إلى أني أخرجت لكم عصارة المطالب وجوهرتها، كما تجري تلك المادة اللزجة من الأشجار. خاض الإمام عليه السلام هنا ثانية في الحديث عن الحوادث القادمة التي ذكرها سابقاً حيث أتمها ببيان الوقائع الإجتماعية و الأخلاقية و الدينية للحكومات المستبدة، و قد أوضح الآثار المختلفة الإجتماعية و الدينية لهذه الحكومات. و إرتباط هذا القسم من الخطبة بالأقسام السابقة واضح تماما، و إن تخللها بعض العبارات لإيقاظ أصحابه. و العجيب ما ذهب إليه بعض شراح نهج البلاغة من مجانبة هذا القسم للأقسام السابقة بفعل عادة السيد الرضي (ره) في الإقتطاف، و كأن هذا الإقتطاف الرائع للسيد أصبح ذريعة لمن لم يتأمل الإرتباط بين أقسام الخطبة ليحملها جامع نهج البلاغة.
ثم قال عليه السلام:
«فعند ذلك أخذ الباطل ماخذه، وركب الجهل مراكبه، وعظمت الطاغية، وقلت الداعية».
يمكن أن يكون للطاغية هنا معنى مصدري: أي أنّ الطغيان يكبر ويتسع على مستوى المجتمع، كما يمكن أن يكون لها معنى اسم الفاعل؛ أي يستفحل أمر طائفة طاغية، ويقل عدد دعاة الحق أمامها، فأمّا أن تقضي عليهم أو تقصيهم عن الساحة الاجتماعية، وهذه أهم الأخطار التي تنبثق من هذه الحكومات الباطلة المستبدة التي تجهد في كم أفواه دعاة الحق.
ثم قال عليه السلام:
«وصال الدهر صيال السبع العقور، وهدر فنيق الباطل بعد كظوم».
نعم فقد اقتحمت الساحة ثانية من قبيل الجماعات المنافقة وسليلة الجاهلية- التي طردت من الميدان- أثر ضعف دعاة الحق. وعلى هذا الضوء تقلب كافة الموازين والقيم:
«وتوافى الناس على الفجور، وتهاجروا على الدين، وتحابوا على الكذب، وتباغضوا على الصدق».
وهكذا وبمقتضى
«الناس على دين ملوكهم»
فانّ هؤلاء الحكام الفسقة والفجرة عديمي الدين يجدون في طبع الامّة بهذه الصفات الخبيثة بحيث يحيلون الساحة الإسلامية إلى جحيم
[١] «صمغه» ما يجري من الشجرة من مادة لزجة.