نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣ - القسم الأول جوده لا ينضب
الظاهرة تراه لأنه ليس بجسم فلا مكان له ولا جهة، ولا العين الباطنه يسعها مشاهدة كنه ذاته.
فالمحدود يعجز عن رؤية اللامحدود. فالتعبير بالرادع لا يعني إنّ اللَّه تعالى خلق في الأبصار مانعاً عن إدراكه، بل كناية عن ذاته أعظم واسمى من أن ترى بالعين الظاهرة أو الباطنة. فقد قال القرآن الكريم بهذا الشأن: «لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ» [١] ولما سأل بنو إسرائيل موسى عليه السلام رؤية اللَّه، جاء الخطاب: «انْظُرْ إِلى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَك تُبْتُ إِلَيْك وَأَنَا أَ وَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» [٢]، ثم قال عليه السلام في الصفة الرابعة والخامسة المكملة للصفات السابقة:
«ما اختلف عليه الدهر فيختلف منه الحال، ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال»
فالواقع هو أنّ هاتين الصفتين إنّما تشيران إلى نفي الزمان والمكان وعوارضهما عن الذات الإلهية المقدسة؛ الذات المطلقة التي تأبى الحركة، ومن هنا لم تخضع لسيطرة الزمان، ولذلك أيضاً لم يكن للحالات المختلفة والحركة نحو الكمال أو النقصان من سبيل إلى هذه الذات. فاللَّه ليس بجسم ليحتاج إلى مكان. ليس بمحدود ليضمه موضع معين، ومن هنا انعدم تصور المكان عليه سبحانه. ثم عاد الإمام عليه السلام ثانية إلى وصف جوده وعطائه سبحانه ليحدث عن سعة نعمه استثاره لحس الشكر والحمد لدى العباد والأمل بهذه الذات إلى جانب الإرشاد للمعرفة بصفات الجلال والجمال فقال عليه السلام:
«ولو وهب ماتنفست عنه معادن الجبال، وضحكت عنه أصداف البحار، من فلز اللجين [٣] والعقيان [٤] ونثارة [٥] الدر، وحصيد المرجان، ما أثر ذلك
في جوده، ولا انفد سعة ما عنده، ولكان عنده من ذخائر الانعام، مالا تنفده مطالب الأنام، لأنّه الجواد الذي لا يغيضه [٦] سؤال السائلين، ولا يبخله الحاح الملحين».
[١] سورة الانعام/ ١٠٣.
[٢] اقتباس من سورة البقرة/ ٢٥٥؛ سورة الاعراف/ ١٤٢.
[٣] «لجين» على وزن حسين بمعنى الفضة.
[٤] «عقيان» الذهب الخالص.
[٥] «نثارة» من مادة «نثر» على وزن نصر التناثر والتشتت، حيث تتشقق أغلفة الأصداف فتتناثر منها حبيبات الدر هنا وهناك.
[٦] «يغيض» من مادة «غيض» على وزن فيض النقصان وذهاب الماء في الأرض ووردت في العبارة بمعنى عدم نقصان منابع الفيض الإلهي بالعطاء.