نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٩ - القسم السابع الانقلاب رأس على عقب
فيلبس الإسلام ثوباً مقلوباً:
«وغار [١] الصدق، وصار الفسوق نسبا، والعفاف عجباً،
ولبس الإسلام لبس الفرو [٢] مقلوباً».
يمكن أن تكون العبارة
«غار الصدق، وفاض الكذب»
وبالالتقات إلى معنى الغور الذي يعني الانتشار داخل الأرض وفاض من فيض بمعنى الماء الوفير أو المطر وأمثال وذلك، إشارة إلى ذلك الزمان وكأنّ عيون الصدق قد غارت فيه في الأرض بينما جفت بساتين الحياة الإنسانية اثر ابتعادها عن هذه المياه، وبدلا من ذلك فقد عم وانتشر الكذب وكأنه الماء المالح الذي يخرب كل شيء.
والعبارة
«صار الفسوق نسباً»
تفيد مدى اقتراب الفسقة من بعضهم وتوطيد أواصرهم وكأنهم قرابة ونسب.
وقد فسر بعض شرّاح نهج البلاغة الفسوق هنا بالزنا؛ أي يكثر أولاد الحرام في المجتمع، وينسجم هذا التفسير والعبارة:
«والعفاف عجباً».
الاحتمال الآخر في تفسير هذه العبارة أنّ الفسقة يفتخرون بفسقهم، كما تفتخر العرب بنسبها، وعلى العكس من ذلك فانّ الأفراد من أهل الطهر والعفاف يشعرون بالخجل إثر ذم المجتمع وملامتهم لهم.
والعبارة:
«لبس الإسلام لبس الفرو مقلوباً»
إشارة إلى نقطة لطيفة وهى أنّ حكام الجور والفسقة والفجرة لايسعون إلى القضاء على الإسلام وسلب الناس دينهم، بل يحرفون الإسلام ويقلبون محتواه من أجل تحقيق أطماعهم ومآربّهم. وشهد تاريخ الحكومات المستبدة ولاسيما حكومة بني أمية على صدق هذا الكلام.
طبيعي أنّ اللباس إذا قلب لم يعد له من شبه بثياب الناس، بل يبدو من يرتديه حيواناً، أما ذكر هذه العبارة بعد الحديث عن مفاسد ذلك الزمان يمكن أن يكون من قبيل ذكر العام بعد الخاص؛ لأنّ الإسلام إذا قلب كان الكذب بدل الصدق والفسوق بدل العفاف وسائر الرذائل بدل الفضائل والقيم.
[١] «غار» من مادة «غور» الدخول في الشيء وإذا استعمل في الماء عنى غوره في الأرض، ومن هنا يستعملبمعنى الانعدام أيضاً.
[٢] «فرو» ما يهيىء من جلد الحيوانات وله صوف عادة ما يلبس في الشتاء.