نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٥ - القسم الأول راية الحق
سيرة أميرالمؤمنين علي عليه السلام يذعن بهذه الصفات التي انطوت عليها شخصيته. فقد تواتر عليه بعض الأفراد بعد رحيل النبي صلى الله عليه و آله وناشدوه القيام؛ إلّاأنّه لم يجبهم بسبب عدم توفر الشرائط اللازمة إلى جانب خشيته من الأعداء المتربصين بالإسلام، بينما نهض بالأمر لما تغيرت الظروف.
وهناك شواهد اخرى كثيرة وردت في كلماته عليه السلام بهذا الشأن [١].
ثم قال عليه السلام:
«فاذا أنتم ألنتم له رقابكم، وأشرتم إليه باصابعكم، جاءه الموت فذهب به».
إشارة إلى أنّه يعاني الأمرين حتى يجمعكم تحت رايته، وتسلمون لإمامته بحيث تشيرون إليه من كل جانب، ولكن ما أن تتمهد مقومات الاتحاد وعناصر النصر والغلبة حتى تأخذه يد القدر منكم فتتفرقون ثانية ويتسلط عليكم الأعداء.
ولعل العبارة إشارة لما أوردناه سابقاً في سند الخطبة في أنّ الناس اجتمعوا على الإمام عليه السلام في الشهر الذي قتل فيه بحيث اجتمع له مأة الف سيف، عقد كل عشرة الآف لرجل، فخرج عليه السلام يريد الشام، فحال ابن ملجم بينه وبين ذلك. إلّاأنّ بعض شرّاح نهج البلاغة فسروها بعصره عليه السلام، إلّاأنّ هذا التفسير يبدو بعيداً، وذلك لأن العبارات قبل هذه الجملة تفيد خلاف هذا المعنى، ولاسيما أنّ الخطبة بعد خلافة عليه السلام وفيها اشارات إلى المستقبل.
ثم حاول الإمام عليه السلام الحيلولة دون شعور أصحابه باليأس، فبشرهم بالنصر القادم قائلًا:
«فلبثتم بعده ماشاء الله حتى يطلع الله لكم من يجمعكم، ويضم نشركم».
أمّا من المقصود بهذا القيام؟ فقد أورد الشرّاح احتمالين: أحدهما: أن يكون المراد قيام الإمام المهدي عليه السلام، والآخر قيام بني العباس الذي أنهى حكومة بني أمية واجتث جذور ظلمهم وفسادهم، وان ما رسوا بدورهم نوعاً آخر من الجرائم والجنايات. ويبدو الاحتمال الأول أنسب، فلم تكن لبني العباس مثل هذه الجدارة في عباراته عليه السلام، كما لم تكن جناياتهم بحق شيعة علي عليه السلام وأهل العراق بأقل من جنايات بني أمية. أضف إلى ذلك فالكلام في رافع راية
[١] راجع شرح الخطبة الخامسة والسادسة من المجلد الأول من هذا الكتاب.