نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٨ - القسم الثاني والعشرون العالم بكل شيء
وقصته مع الجنّة و ما تضمنته من عبر ومن ثم هبوطه إلى الأرض، وتقسيم الأرزاق وتعيين الاجال. ولما فرغ من ذلك واصل حديثه في هذا المقطع من الخطبة عن علم اللَّه سبحانه بكل شيء وكل شخص وفي كل زمان ومكان، والعالم بكافة الخفايا والاسرار. فقد أورد الإمام عليه السلام ذلك بعبارات دقيقة رائعة، مؤكداً على تفاصيل هذه الامور، بحيث يشعر الإنسان بكل كيانه أنّ العالم برمته حاضر لدى الله بكل حركاته وسكناته؛ و هو الشعور الذي يلعب دورا، حيوياً في تربية الإنسان وسوقه نحو الخير والاحسان.
فقال عليه السلام:
«عالم السر من ضمائر المضمرين، ونجوى المتخافتين وخواطر رجم الظنون، وعقد عزيمات اليقين».
فالعبارة تفيد علمه سبحانه بكل شيء: ما يقتدح في الأذهان، وما يمثل في الواقع، وما يجري في الأوهام والظنون، والشك والترديد، وما يجول في باطنه ونجواه وهمسه مع الاخرين، ثم قال عليه السلام:
«ومسارق [١] إيماض [٢] الجفون، [٣] وما ضمنته أكنان القلوب، وغيابات الغيوب،
وما أصغت لاستراقه مصائخ [٤] الأسماع»
، ولما كانت أهم مصادر علم الإنسان تكمن في قلبه (عقله) وعينه واذنه، كما صرح بذلك القرآن الكريم: «وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» [٥] واللَّه محيط بجميع هذه المصادر؛ فهو عليم بكافة خفايا الإنسان وأسراره. ثم تجاوز عليه السلام خفايا الإنسان وما تنطوي عليه جوانحه ليتجه صوب أصغر الكائنات، ليكشف عن علمه سبحانه وتعالى بخفايا وأوكار الهوام والحشرات وآهات الالم واصوات الحزن ووقع الاقدام:
«ومصائف [٦] الذر،
[١] «مسارق» جمع «مسرق» من مادة «سرقة» النظر خلسة.
[٢] «ايماض» من مادة «ومض» على وزن رمز اللمعان القصير والمخفي.
[٣] «جفون» جمع «جفن» على وزن جفت، بمعنى جفن العين.
[٤] «مصائخ» جمع «مصيخة» من مادة «صوخ» على وزن صوت الشق، والمراد هنا شق الاذان الذي يسمع بهالإنسان الأصوات.
[٥] سورة النحل/ ٧٨.
[٦] «مصائف» جمع «مصيف» موضع اقامتها في الصيف.