نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٧ - القسم الأول عبيد كأرباب
وبالطبع فانّ كل ذلك اختبار له وللعباد.
ثم تكهن الإمام عليه السلام بمستقبل هؤلاء القوم إزاء عدوهم الطامع قائلًا:
«أمّا والذي نفسي بيده، ليظهرن هؤلاء القوم عليكم، ليس لأنهم أولى بالحق منكم، ولكن لاسراعهم إلى باطل صاحبهم، وإبطائكم عن حقي».
فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام أشار إلى نقطة مهمّة هنا وهى أنّ هؤلاء القوم سيتغلبون عليكم آخر الأمر، ولكن لاتظنوا أنّ هذه الغلبة نابعة من كونهم على الحق. فلا ينبغي أن يعتقد أحد بأنّهم على الحق فيؤدي به ذلك إلى الضلال. قطعاً أنّهم على باطل، إلّاأنّهم راسخون في هذا الباطل عاقدون العزم عليه وهم آذان صاغية لمعاوية؛ أمّا أنتم وإن كنتم على حق، إلّاأنّكم ضعفاء، ليس لكم من عزم أو ارادة، ولا تعيرون زعيمكم اذناً صاغية، فدرجتم على التمرد والعصيان، فاذا جمعت هذه الصفات في شخص أو أمة مهما كانت فسوف لن يكون مصيرها سوى الهزيمة والفشل.
فقد روى أبو مخنف في قصة يوم الحرة: أنّ مسلم بن عقبة ركب فرساً فأخذ يسير في أهل الشام ويحرضهم ويقول: يا أهل الشام أنّكم لستم بأفضل العرب في أحسابها ولا أنسابها، ولا أكثرها عدداً ولا أوسعها بلداً، ولم يخصصكم الله بالذي خصكم به من النصر على أعدائكم، وحسن المنزلة عند أئمتكم إلّابطاعتكم واستقامتكم. [١]
ثم أشار عليه السلام إلى نقطة مهمّة بهذا الشأن:
«ولقد أصبحت الامم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخاف ظلم رعيتي».
فالامم والشعوب طيلة التأريخ إنّما تشكو ظلم وجور حكوماتها المستبدة الطاغية، بحيث أصبح هذا أمرا طبيعياً، بينما انقلبت هذه المسألة بالنسبة للإمام عليه السلام فهى على العكس تماماً! لم يكن هناك من يخشى ظلمه عليه السلام، فلم يكن للظلم والجور من سبيل إلى وجوده عليه السلام، في حين كان هو عليه السلام يعيش حالة القلق والاضطراب من غدر أصحابه ومكائدهم وما شاكل ذلك؛ والحق أنّ مثل هؤلاء الأفراد إنّما يبتلون عاقبة الأمر بالطغاة فيذيقوهم أنواع الظلم، وهذا ماحدث بالفعل، ثم تطرق عليه السلام إلى نقاط ضعف أهل الكوفة والعراق آنذاك فقال:
«استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا، واسمعتكم فلم تسمعوا، ودعوتكم سرا وجهرا فلم تستجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا».
[١] ابومخنف، طبق نقل شرح نهج البلاغة للمرحوم التستري ١٠/ ٥٩٦.