نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٨ - القسم الأول عبيد كأرباب
والسؤال المطروح: هل كان جيش العراق يشعر بالخطر، إلّاأنّ الضعف والتقاعس يثبطه بعدم مواجهة العدو؟ أم أنّه لم يكن يشعر بخطر من معاوية وأهل الشام؟ الاحتمالان قائمان، إلى جانب الخوف والجبن والجهل والاختلافات القبلية.
انذاك خاطبهم عليه السلام بعبارات عنيفة- تثير غيرة من كان له أدنى غيرة ورجولة- بغية آثارتهم ودفعهم للنهوض والحركة، فقال عليه السلام:
«أشهود كغياب، وعبيد كأرياب، أتلو عليكم الحكم فتنفرون منها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتتفرقون عنها، وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين أيادي سبا».
«أيادي سبا»
وبعبارة اخرى
«مثل أيادي سبا»
إشارة إلى مثل معروف بين العرب يضرب للمتفرقين، وقيل أنّ سبأ هو أبو عرب اليمن كان له عشرة أولاد، جعل منهم ستة يميناً له، وأربعة شمالًا تشبيها لهم باليدين، ثم تفرق اولئك الأولاد أشد التفرق. [١]
على كل حال فانّ عبارات الإمام عليه السلام تفيد أنّه عليه السلام نصحهم بأدنى الأمر بكلمات حكيمة ومواعظ حسنة، وقد بالغ في مداراتهم، وما ورد من كلمات عنيفة وحادة تضمنتها بعض عبارات الخطبة فإنّما كانت عقب تلك الكلمات التي تضمنت الوعظ والنصح، هذا في الوقت الذي كان الطرف الآخر يمتاز بالفضاضة واللجاجة بحيث لا تجعلهم يفيقون من غفلتهم إلّا كلمات الذم والتوبيخ والعتاب.
ثم قال عليه السلام:
«ترجعون إلى مجالسكم، وتتخادعون عن مواعظكم، أقومكم غدوة، وترجعون إلى عشية، كظهر الحنية [٢]، عجز المقوم، وأعضل [٣] المقوم».
فالعبارة تنطوي على نقطة مهمّة وهى كثرة المنافقين آنذاك بين أهل العراق، وكانوا يسعون للالتفاف على كلام الإمام عليه السلام، فكانوا يتأثرون بأخلاق الإمام عليه السلام ومواعظه حين يأتوه، ويقتنعون بضرورة الاستعداد والتأهب لقتال العدو، فاذا رجعوا إلى مجالسهم الخاصة والعامة نفثوا سمومهم الشيطانية وشوشوا الأفكار وسعوا لاضعاف الارادات وتصديع عرى الاتحاد والاخوة وبث بذور الشقاق والفرقة.
[١] «أيادي» جمع «أيدي» وهذه الاخيرة جمع يد، كما تستعمل الأيادي في معاني اخرى.
[٢] «الحنية» بمعنى القوس وذلك بسبب انحنائه.
[٣] «أعضل» من مادة «الاعضال» بمعنى الشدة والتعقيد.