نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٦ - القسم الأول فرائض الإسلام
هناك من منافاة بين هذا الكلام والتفسير الآخر الذي عنى الوسيلة هنا بشفاعة أولياء اللَّه؛ لأنّ كل هذه الوسائل يمكن جمعها في الآية الشريفة.
على كل حال فانّ الوسيلة الاولى التي ذكرت هى الإيمان؛ الإيمان باللَّه والنبي، لأنّ الإيمان أساس الحركة البناءة والفاعلة.
الطريف في كلام الإمام عليه السلام أنّه تطرق في كل نقطة دليلها بصيغة تعليل وفلسفة لكافة الواجبات العشر الواردة في العبارة، سوى مسألة الإيمان باللَّه والنبي. وذلك لأنّ هذه المسألة غنية عن ذكر الدليل، وبعبارة اخرى فانّ أساس الصالحات والخيرات واعمال البر إنّما يكمن في الإيمان، وبدونه ليس هنالك من حركة نحو الفرائض الإلهية والواجبات الدينية. فالأمر على درجة من الوضوح بحيث لايحتاج إلى دليل.
ثم أشار عليه السلام إلى الواجب الثاني:
«والجهاد في سبيله، فانه ذروة [١] الإسلام»
وللجهاد هنا معنى واسع يشمل الجهاد العلمي والإعلامي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكافة الجهود والمساعي البناءة من أجل النهوض بالاهداف الإسلامية وحتى جهاد النفس، إلى جانب الجهاد العسكري والمقاومة ضد العدو.
والعبارة
«ذروة الإسلام»
تفيد عدم جدوى الجهاد ما لم يكن عاماً شاملًا. وقد قال الإمام عليه السلام في موضع آخر من نهج البلاغة بشأن فلسفة الأحكام ومنها الجهاد:
«والجهاد عن للإسلام» [٢].
ورغم سعي إعداء الإسلام إلى استغلال مفردة الجهاد الإسلامي واساءة تفسيرها من خلال وصفها بالعنف إلّاأنّهم يغفلون عن المعنى الواقعي للجهاد والذي يتمثل بالصمود من أجل الحياة ومقاومة العناصر الهدامة؛ وهو الأمر الذي أودع طبيعة كل إنسان.
فالحق أنّ الحياة لتتعذر علينا ولو ضعفت الخلايا ليوم واحد كتلك التي ركبت في بدن الإنسان وتقوم بوظيفتها في الدفاع عنه ومهاجمة المكروبات والجراثيم التي تحاول اختراق البدن، وما المرض الخطير الذي يصطلح عليه بالايدز إلّااختلال القوى الدفاعية للبدن.
فالمجتمع الذي يتخلى عن الجهاد إنّما يكون كهذا المريض المصاب بالايدز، فيصبح مسرحاً
[١] «ذروة» على وزن قبلة أعلى الشيء.
[٢] نهج البلاغة، الحكمة ٢٥٢.