نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٥ - القسم الرابع سكرات الموت
دون الاكتراث إلى الحلال والحرام والمحظور والممنوع:
«ويتذكر أموالًا جمعها، أغمض [١] في
مطالبها، وأخذها من مصرحاتها ومشتبهاتها، قد لزمته تبعات جمعها، وأشرف على فراقها».
نعم فهو يفيق إلى نفسه وأول كابوس يقض مضجعه ويهيمن على كيانه هو كابوس أمواله؛ الأموال التي لم يفكر بالحلال والحرام في جمعها بعد أن أعماه حبّ الدنيا، أو أنّه اعتمد بعض التوجيهات المشبوهة ليستحوذ على بعض الأشياء، والآن بعد أن رفع عنه الحجاب فهو يرى العبىء الثقيل الذي طال عاتقه متمثلًا بحق اللَّه وحق الناس، والأنكى من ذلك عدم وجود سبيل إلى الفرار. ليس له من لسان لبيان هذه المشكلة، وإن كان له من بيان، فليس هنالك من يسمع! ولو سمعه من حوله من قرابته ووارثيه اكتفوا بالقول (أنّه ليهجر حيث فقد عقله وفكره) ليتمكنوا من مصادرة أمواله بسهولة.
وهذا هو البؤس الحقيقي في أن يشقى الإنسان بجمع هذه الأموال وتبقى عليه تبعتها ومسؤوليتها، بينما يخلفها الآن إلى غيره ويفارقها إلى غير رجعة.
ومن هنا قال عليه السلام:
«تبقى لمن وراءه ينعمون فيها، ويتمتعون بها، فيكون المهنأ لغيره، والعب [٢] على ظهره، والمرء قد غلقت رهونه [٣] بها».
يالها من مصيبة! أن يرى الإنسان كل هذه القصور الفخمة والأجهزة المتطورة والثياب الفاخرة ووسائل الراحة الراقية والأموال الوفيرة التي عانى ما عانى في الدنيا من أجل الحصول عليها وهو يهبها الان لقمة سائغة لمن وراءه! والأدهى من ذلك ذهبت لذتها لغيره وبقيت تبعتها عليه.
وليت شعري ليس له الآن سوى الحسرة والندم فلم تعد هناك من فرصة لتلافي ما فرط
[١] «أغمض» من مادة «غمض» على وزن نبض اطباق الجفن على العين، ثم اطلق على كل تساهل وغفلة.
[٢] «العب» بمعنى الحمل والثقل.
[٣] «رهون» جمع «رهن» حبس الشيء وهو عادة سند يسلم مقابل قرض لايعاد مالم يسدد «والمرء قد غلقت رهونه بها» استحقها مرتهنها وأعوزته القدرة على تخليصها، كناية عن تعذر الخلاص.