نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٩ - القسم العشرون خلق آدم وبعثة الأنبياء
فلو كان آدم عليه السلام مجبوراً كيف يؤاخذه الحكيم سبحانه على فعل لم يكن مختاراً في ارتكابه، كذلك لماذا يندم آدم عليه السلام على ذلك الفعل ويتوب منه، أم كيف يخرج اللَّه سبحانه من الجنّة بذلك الفعل؟ كل هذه الامور تدل على عدم وجود أي تضارب بين العلم الأزلي للَّهسبحانه مع اختيار آدم وسائر أفراد البشر، ثم قال عليه السلام:
«فاهبطه [١] بعد التوبة ليعمر الأرض بنسله،
وليقيم الحجة به على عباده».
فبالنظر للعبارة السابقة
«أسكنه جنّته»
يفهم أنّ هبوط آدم ونزوله لم يكن هبوطاً مكانياً، بل مقامياً، أي أنّ اللَّه أهبط آدم من ذلك المقام الرفيع الذي كان عليه لتركه ذلك الاولى.
والعبارة:
«ليعمر أرضه بنسله»
تفيد أنّ هدف كافة الأفراد لابدّ أن يكون إعمار الأرض لا اخرابها با الحروب والقتال والنزاعات والخلافات أو الخمول والكسل والتقاعس عن العمل أو حتى تلويث البيئة السالمة! والطريف أنّ هذا الاعمار جاء بعد التوبة، فما لم يتب الإنسان من أخطائه وزلله لا يوفق لهذا البناء والاعمار، فقد جاء في القرآن الكريم «هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ» [٢].
كما يستفاد من العبارة:
«فأهبطه بعد التوبة»
بأنّ ذلك الهبوط قد حصل بعد التوبة.
النقطة المهمة الاخرى في العبارة والتي أشير إليها مراراً في القرآن مسألة اتمام الحجة على العباد. فاللَّه سبحانه وإن زود الإنسان بالعقل، إلّاأنّه لم يكتف بذلك فواتر إليه كتبه ورسله وأنبيائه والدعاة إلى طاعته- في كل عصر ومصر- ليتم الحجة على العباد، وهذا ما أورده الإمام عليه السلام في حديثه بين بني آدم وواتر إليهم الأنبياء ليؤدوا رسالات ربّهم ويقيموا عليهم الحجج:
«ولم يخلهم بعد أن قبضه، ممّا يؤكد عليهم حجة ربوبيته، ويصل بينهم وبين معرفته، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه، ومحتملي ودائع رسالاته، قرناً [٣] فقرناً؛ حتى تمت بنبينا محمد صلى الله عليه و آله حجته، وبلغ المقطع [٤] عذره ونذره [٥]»
، تفيد بعض
[١] «أهبط» من مادة «هبوط» النزول.
[٢] سورة هود/ ٦١.
[٣] «قرن» الزمان الطويل الذى قد يمتد الى مئة عام، كما يطلق الجماعة التى تعيش مع بعضها فى عصر.
[٤] «مقطع» النهاية.
[٥] «عذره» و «نذره»، «العذر» هنا اتمام الحجة على العباد بحيث لايبقى لهم عذرا للمخالفة، و «النذر» جمع النذير بمعنى الانذار، ذكر العواقب السيئة للشئي.