نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٣ - القسم الثاني زوال حكومة بنى أمية
ثم قال عليه السلام:
«وصاد فتموها والله، ظلًا ممدوداً إلى أجل معدود، فالأرض لكم شاغرة [١]،
وأيديكم فيها مبسوطة؛ وأيدي القادة عنكم مكفوفة، وسيوفكم عليهم مسلطة، وسيوفهم عنكم مقبوضة».
فهذه العبارات تبيّن أنّ الكلام هنا بخصوص فريق من المؤمنين من بقية الصحابة والتابعين الذين لم يتمالكوا أنفسهم حين الاختبار الإلهي، فيميلون حيثما مالت الريح.
فقد شغلتهم الدنيا وغرتهم بزينتها وزخرفها وبالطبع قد حصل هذا في وقت لم يسع الإمام عليه السلام حتى في زمان حكومته أن يصدهم عنه؛ وذلك لأنّهم غرقوا في هذه الدنيا على عهد عثمان بالشكل الذي لم يبق معه من أمل لانقاذهم بسهولة.
ثم هددهم عليه السلام ليعلموا أن المسألة ليست بهذه السهولة وهناك الحساب الذي ينتظرهم، محذرهم قائلًا: اعلموا أنّ لكل دم شائراً، ولكل حق طالباً:
«ألا وإن لكل دم ثائراً، [٢] ولكل حق
طالباً، وإن الثائر في دمائنا كالحاكم في حق نفسه، وهو الله الذي لايعجزه من طلب، ولا يفوته من هرب».
فاذا تأخر العذاب والانتقام الإلهي عن بعض العصاة المردة الذين يجاهرون بجناياتهم، فهذا لايعني نسيان هذه الأعمال الشائنة، أو قدرة هؤلاء الجناة على الفرار من مخالب العدل الإلهي.
والعبارة
«إن الثائر في دمائنا ...»
تعني أنّ الثائر لدمائنا أهل البيت والتي تسفك بغير حق هو الله سبحانه وتعالى، فهى تسفك في سبيل الله ومن أجل إعلاء كلمته، فلا تشتمل هذه الدماء على جانب شخصي أو قبلي، وقطعاً أن مثل هذا الثائر لايعجزه شيء، ولايفوته شيء وهو بالمرصاد.
[١] «شاغرة» من مادة «شغور» خالية.
[٢] «ثائر» من مادة «ثأر» على وزن قعر «وقد بُدلت الهمزة بألف. و «ثأر» تقرأ على وزن غار.
وفي الاصل جاءت بمعنى الثأر والانتقام، وتأتي أحيانا بمعنى الدم، وهو كناية عن الثأر أيضاً.
وتعبير «ثاراللّه» اطلق على الإمام الحسين والإمام على عليهما السلام «يا ثاراللّه وابن ثاره»، ومعنى ذلك ان ثأر هذين الامامين لا يتعلق بعائلة او قبيلة، بل يرتبط باللّه سبحانه وتعالى وبكل بني الانسان في هذا العالم.